في فقه الخلاف: "قاعدة نبوية"، وأخرى يُسمونها ذهبية! ودرس حوثي بليغ
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن أكثر القضايا الكبرى التي شغلت الصحوة الإسلامية في الفترة المعاصرة، هي طريقة التعامل مع الخلافات، وهل نُطبِّق فيها جميعًا قاعدة: "الخلاف في الرأي لا يُفسِد للود قضية"؟ أم نُطبِّق فيها جميعًا البراءة والتبديع؟ أم أن الأمر وسط بيْن المنهجين؟
وقد سار كل فريق في طريقه، ولكن كان الصوت الأعلى والأكثر حضورًا "والأكثر تأثيرًا" في وجدان كثير مِن عوام المسلمين -بل في وجدان كثير من الدُّعاة- هو الصوت الداعي إلى رفع قاعدة مطلقة مِن أن: "كلَّ قضايا الخلاف لا تُفسِد للود قضية!"، أو القاعدة المسماة بالقاعدة "الذهبية!"، وهي: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه" مع تطبيق هذه القاعدة في خلافات جوهرية وجذرية، ومِن أهمها: "تطبيقها على الخلاف بيْن السنة والشيعة!".
والكلام كان أشبه بالكلام النظري إلى حدٍّ كبير، لكن أصبح أمامنا الآن واقعًا عمليًّا واضحًا وصارخًا، وهو أنه كيف استثمر الشيعة انتشار هذه الدعوات بين صفوف السنة؟ وكيف تكوَّن الهلال الشيعي؟ وكيف صرنا قاب قوسين أو أدنى مِن إعلان إمبراطورية شيعية فارسية؟ وهذه القضية مِن القضايا التي يغفلها كثير من الناس من أن التشيع والفارسية وجهان لعملة واحدة، وأنهم يريدون إمبراطورية فارسية مذهبها هو الشيعة الإثنى عشرية، فكان مِن المناسب -والأمة تجني ثمارًا مُرة لقاعدتهم تلك- أن نُثبـِّت اللقـْطة بعد أن صارت المخاوف التي كنا نُطلقها -وكان الكثيرون يرونها مبالغة وتهويلاً!- واقعًا ملموسًا.
مراجعة لفقه الخلاف وقواعده النظرية:
بين يدي هذا نشير بسرعة إلى القاعدة النبوية في الخلاف، وتلك القاعدة الموسومة بالذهبية، وبيان مَن قال بها، وكيف طبقت؟ وكيف أسهمت في ابتلاع الشيعة للكثير من البلاد السُّنِّيَّة؟!
الضابط بيْن الخلاف السائغ وغير السائغ هو مجيء البيِّنات:
إننا ملتزمون في شئوننا كلها بأن نعود للكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وقضية الخلاف هي واحدة مِن هذه القضايا التي عدنا فيها إلى هذه المصادر؛ فماذا وجدنا؟ وجدنا أن القرآن ذمَّ نوعًا من الخلاف ذمًّا شديدًا في آياتٍ كثيرة، منها: قوله -تعالى-: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة:213) ، فعلِمنا من هذه الآية وغيرها أن الخلاف الموصوف في هذه الآية وما شابهها من الآيات؛ خلاف مذموم، وأنه ينشأ عن مرض في القلب، وهذه الآية تُبيِّن ما هو الخلاف المذموم هذا الذم الشديد؟ إنه الخلاف الذي حدث بعد مجيء البيِّنات؛ فإن المسائل التي فيها بيِّنات لا يتصور الخلاف فيها إلا لمن عنده أهواء، وهذه الأهواء عبَّر عنها القرآن بلفظ البغي، فلفظ البغي هو أحد الألفاظ التي تجمع الكثير من الآفات: كالحسد والكبر، والعصبية الجاهلية؛ كل هذه أشياء تدفع البعض إلى أن يكابر ويعاند، ويبغي بعد مجيء البينات.
خلاف التضاد السائغ وخلاف التضاد غير السائغ:
لو تأملنا في هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهدي أصحابه -رضوان الله عليهم-؛ لوجدنا أن الصحابة اختلفوا في مواطن في فهم كلامه -صلى الله عليه وسلم-؛ فلم يُنكر على أي من الفريقين، ومِن أشهر الأمثلة على ذلك: قصة "بني قريظة"، وواقعة مَن تيمما وصليا ثم أعاد أحدهما الصلاة عندما حضر الماء، ولم يعد الآخر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للذي لم يُعِدْ: ( أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلاتُكَ ). وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: ( لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .
لكن الذي يتمسك بهذه الأدلة فيأخذ منها قاعدة عامة؛ يغفِل أن هناك أدلة أخرى أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها على المخالِف وغلظ عليه، مثل ما غلظ -صلى الله عليه وسلم- على مَن قال: "اعدل يا محمد!"، وغلظ على مَن أرادوا أن يشترطوا الولاء لهم في قصة بريرة، وغلظ على أنواعٍ كثيرة مِن الأمور المخالفة التي وقعتْ بين يديه -صلى الله عليه وسلم-.
مما يؤكِّد المعنى الذي استفدناه مِن القرآن، وأنه لا بد مِن التفصيل، وأن هذا التفصيل يرجع إلى وجود البينات من عدمها، والبينات هي التي لا تحتمل إلا تفسيرًا واحدًا، ولكن يمكن أن توجد بعض الأدلة الشرعية التي هي دليل، لكنها ليست مِن البيِّنات.
وقد قدَّر الله وجود هذا النوع من الأدلة؛ لتتقرب الأمة إلى الله بالاجتهاد في فهم الأدلة، كما أن هذا يورث لنا نوعًا من أنواع التمرس على الاجتهاد، بحيث إذا استجدت -أو استحدثت- مسائل بعد ذلك احتاجت إلى اجتهاد؛ كانت الأمة متمرسة على ذلك، والحِكَم في هذا الباب كثيرة يعلمها الله -عز وجل-، والحاصل أنه توجد مسائل فيها بينات، وأخرى ليس فيها بينات.
وقد ذمَّ القرآن الذين اختلفوا مِن بعد ما جاءتهم البينات، ووصفهم بأنهم يفعلون هذا بغيًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قَبِل الخلاف في تفسير كلامه مِن الصحابة؛ فسكت ولم يُنكِر على أيٍّ من الفريقين، وربما في بعض المواطن بيَّن للمصيب أنه مصيب، ولكنه لم يغلـِّظ على المخالف؛ كما وقع للصحابيين الذين أجنبا ولم يجدا ماءً فتيمما، ثم حضر الماء فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للذي لم يُعِدْ: ( أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلاتُكَ ). وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: ( لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ؛ فبيَّن لهذين المختلفين مَن منهما المصيب، ومَن منهما المُخطئ.