شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

في فقه الخلاف: "قاعدة نبوية"، وأخرى يُسمونها ذهبية! ودرس حوثي بليغ

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ونفس الأمر، لو انتقلنا إلى هدي السلف -رضي الله عنهم-، نجد أنهم اختلفوا في كثير من المسائل، ووسعهم فيها الخلاف، ويمكن أن يوصف حالهم حينئذٍ بأنهم كانوا يعتبرون الخلاف في الرأي لا يُفسِد للود قضية كما يقول البعض، أو ما عبَّر عنه البعض الآخر بقولهم: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، ولكن لما ظهرت بدع الخوارج والشيعة والقدرية بالغوا في ذمهم، والتبرؤ منهم، والرد عليهم؛ وهذا مما يؤكد أن مسألة الخلاف فيها تفصيل، وأن بعض مسائل الخلاف يُنكَر فيها إنكارًا شديدًا مغلظًا، وبعض المسائل يُحتمل فيها الخلاف، وأن القاعدة في هذا دائمًا نستفيدها مِن نوع الخلاف الذي ذكر الله -عز وجل- أنه الخلاف الذي يكون بعد مجيء البينات، أو الخلاف الذي يوصف بأنه خروج عن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن هدي أصحابه، كما في القاعدة النبوية التي بيَّنها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلاَلَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ؛ لذلك نحن نقول إن هذا الحديث هو نص في موطن النزاع.

فمثلاً: الموضوع المطروح للبحث هو: ماذا عندما يخرج أناس يتبنون مذاهب مخالفة للكتاب والسنة ومخالفة لهدي الصحابة: هل نتألفهم فنسكت عنهم أم نبيِّن بدعتهم ونردها ونتمسك بالحق الذي معنا؟

نقول: المسألة ليست اجتهادية؛ لأن عندنا نصًّا في موطن النزاع، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر عن الخلاف الذي سيقع، وبيَّن لنا أن العلاج ليس أن نتهاون مع مَن خالف الكتاب والسنة، ولكن أن نتمسك بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبهدي السلف، وأن نعض على طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

مثال لتوضيح نوعي خلاف التضاد والضابط في التفريق بينهما: "عنزٌ وإن طارت!":

لعل هذا الأمر قد يتضح إذا ضربنا لذلك مثلاً، ففي المثل الشهير عند العرب يُحكى أن رجلين كانا في الصحراء فرأيا سوادًا بعيدًا -يعني ظل كائن ما بعيد- فاختلفا في ذلك الكائن صاحب ذلك الظل، فقال أحدهما: هي عنز، وقال الآخر: هو طائر. وبعض الطيور الكبيرة يمكن أن تُقارِب حجم العنز الصغير، ولو أن القصة انتهت عند هذه النقطة لما تحولت إلى مثل، ولما ذُكِرت، ولما رُوِيت؛ لأن هذا شيء طبيعي أنه عند عدم وجود البينات يحدث الاختلاف.

ولكن ها هنا يوجد دليل وهو الرؤية؛ فإن الاثنين رأيا ذات الشيء، ولكن لأن الرؤية بعيدة لم ترقَ إلى درجة الدليل الذي يُسمى بالبنية أو الدليل القطعي، وإنما هو دليل ظني، والدليل الظني يحتمل الاجتهاد والنظر؛ ولذا قلتُ: لو أن القصة انتهت عند هذا الحد، لما رويت، ولما نقلت، ولما صارت مثلاً، ولكن الذي حدث بعد ذلك أن ذلك الكائن طار؛ فقال الذي ذكر إنه طائر: انظر، إنه طائر، لقد طار. فقال الآخر: عنز وإن طارت! فصارت مثلاً.

فهذه القصة قد تصلح مثالاً يُوضِّح لنا المقصود، فقبل أن يطير ذلك الكائن، كان هناك دليل وهو الرؤية، ولكنه لم يرقَ إلى درجة البيِّنة؛ فاحتمل كل منهما مِن صاحبه أن يكون له وجهة نظر مختلفة، فهذا نوع من الخلاف لا بد وأن يحتمل، إذا لم نحتمله تقطعت بيننا الأواصر، واختلفنا على كل كبير وصغير؛ فهذا مثال حياتي دنيوي، وفي الشرع كذلك، وفي التجارة كذلك، وبين الزوج والزوجة كذلك.

إذن فالخلاف الناشئ عن عدم وجود البيِّنات لا بد وأن يحتمل، وكلمة يُحتمل لا ترادف أن يُسكت عنه، بل يحتمل معناها محاولة توحيد وجهات النظر، وأن كل فريق يترك لنفسه الفرصة أن يسمع وجهة النظر الأخرى، ولكن من الوارد جدًّا ألا نتمكن من توحيد وجهات النظر، لماذا؟ لأن الدليل مُحتمل ويصعب أن يتطابق الناس في تقديراتهم، فطالما أنَّ الأمر تقديري وحاولنا تقريب وجهات النظر، ثم عجزنا عن أن نصل إلى التطابق؛ فليحتمل كل منا الآخر.

وإلى هذا الحد انتهى الجزء الأول من القصة بدلالاته.

وهنا في هذا المثل في ذات القصة جاءت البينات بعد أن لم تكن هناك بيِّنة، فلما جاءت؛ بغى أحد الطرفين -أو كابر أو عاند- فصار مذمومًا؛ لأنها لم تعد كما كانت وجهة نظر، فقد جاءت البينة، وصار هو مخالفًا للبينات، ومعظم أهل البدع مِن هذه النوعية، يكون مُتسرِّعًا مُتهوِّرًا لا يُعطي الأمور حظها من الدراسة، فتكون المسألة فيها بيِّنات، لكنه لم يطَّلِع عليها، فلو تداركته رحمة الله من أول الأمر واطلع على المسألة اطلاعًا جيدًا، كان من الممكن أن يُوافِق الحق، لكنه اطلع عليها اطلاعًا منقوصًا، فتبنى قوله الذي هو مخالف للحق، فبدأ الناس يردون عليه ببيِّنات تدحض ذلك القول، فمن كتب الله له السعادة يسرع بالتراجع وينصاع للبينات، وأما الأكثرون منهم للأسف يرفع شعار: "عنز وإن طارت".

خلاصة الأمر:

أننا عرفنا مِن هنا أن الصحيح في الخلاف أن فيه تفصيل، أما أخذ أحد النماذج ثم تعميمها، فهذا هو موطن الخطر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "تدبرت معظم مسائل الخلاف، فوجدتها ترجع إلى الإجمال حيث يجب التفصيل". يعني: يقول أحدهم: الخلاف يجب احتماله، والثاني يقول: السكوت عن المخالف سكوت عن البدعة ورضًا بها ومناصرة لها؛ فإذا سألت الأول: مِن أتيت بهذا؟ قال: من حديث بني قريظة، وإذا سألت الثاني: من أين أتيت بهذا؟ قال: من حديث ذي الخويصرة، ومِن فعل الصحابة مع القدرية والخوارج؛ فكل منهما أخذ تصرفًا مقيدًا فأطلقه، أو خاصًّا فعممه، وكان من المفترض عند أحد هذين التصرفين أن يكون هناك ضابط، إما بالاستنباط، وإما أن يكون منصوصًا عليه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية