شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"داعش" والحقائق الثلاث: "الغلو في التكفير - هوس إقامة الدولة - توظيف الأعداء لتطرفهم"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الحقيقة الأولى: غلوهم في التكفير:

ينتمي تنظيم "داعش" إلى ما يعرف إعلاميًّا بالسلفية الجهادية، ورغم شرف الوصفين "السلفية" و"الجهاد" إلا أن بعض مَن ينتسب إلى هذا التيار يضر بهما معًا حينما يغفِل الشروط الواجب توافرها لكي يكون القتال للجهاد.

فمنهم فئات مِن غلاة التكفير ممن لديهم تعطش للدماء، وعندما تبنت القاعدة ضرب المصالح الغربية حتى في بلاد المسلمين، انتمى لهذا التيار بعض مَن يقولون بتكفير حكام المسلمين قاطبة -دون التحقق من وقوع كل فرد في عمل مكفر، مع ثبوت الشروط وانتفاء الموانع-، بل ناصبوا السلفيين العداء؛ لأنهم يطبقون القواعد الشرعية في العذر بالجهل.

وشاعت في كثير من طوائفهم متسلسلة التكفير بالاستعمال المتعسف لقاعدة: "مَن لم يكفر الكافر فهو كافر"، وبواسطتها كفـَّر كثير منهم قوات الجيش والشرطة في البلاد الإسلامية، وبعضهم يكتفي بهذا القدر، بينما يصل البعض الآخر بغلوه إلى درجة تكفير عموم المجتمعات الإسلامية!

وعندما يصفهم أهل السنة بأنهم "خوارج" ينبرون للدفاع عن أنفسهم، وربما دافع البعض عنهم بأنهم لا يكفِّرون مرتكب الكبيرة، وربما يكون هذا صحيحًا.

ولكن مَن الذي حصر "بدعة الخوارج" في تكفير مرتكب الكبيرة؟!

إن "بدعة الخوارج" هي تكفير المسلم سواء كان هذا عن طريق الغلو في حكم مرتكب الكبيرة، أو من خلال الغلو في معنى الولاء والبراء، أو في معنى الحاكمية، ومِن ثَمَّ تراهم يتعمدون الكلام المجمل على أهمية هاتين القضيتين -وهما من الأهمية بمكان ولا شك-، ولكن يجب أن ندرك أن إدخال الناس في الإسلام وإخراجهم منه ليس بالتشهي والهوى، وأن الموالاة مثلاً منها ما هي موالاة كفرية، ومنها ما هي موالاة محرمة وإن لم تصل إلى حد الكفر؛ فضلاً عن أن هناك أمورًا ليست من الموالاة، وربما اشتبهت بالموالاة على بعض مَن كان عنده شبهة أو هوى أو جمع بينهما.

ومِن البدع التي تنتشر في هذه الاتجاهات: التكفير باللوازم، وقد بلغت "داعش" في ذلك درجة من الغلو إلى حد تكفيرهم لكل مَن أُسر لدى الأمريكان ثم أفرج عنه؛ بدعوى أنهم لا يفرجون عنه إلا لعمالته مع أن هذا ينطبق على زعيمهم "أبو بكر البغدادي"!

ولكنك ستجد أن مِن عامة التيارات الغالية في التكفير مَن يكفرون غيرهم بأمور يترخصون هم فيها أو يقطعون لأنفسهم بانتفاء اللازم!

ومِن العجيب أن بعض مَن ينتسب إلى السُّنة ممن أصابه الإحباط من واقعه، ويريد أن يتعلق بوهم "داعش" يحاول أن يلقي ظلالاً من الشك حول غلو "داعش" في التكفير رغم أن رفاقهم في هذا التيار ينكرون عليهم الغلو في التكفير، ورغم افتخارهم الفينة تلو الأخرى بذبح رجال من فصائل المقاومة الأخرى التي يقع بعضها في جنس ما تقع فيه "داعش"، ولكن بدرجة غلو أخف.

وليس أدل على غلوهم في التكفير، وتعطشهم للدماء: مِن هذا القتل الوحشي البربري للأخ "صائد الدبابات" وذبحهم إياه بطريقة وحشية، ولم يعلنوا سببًا شرعيًّا واحدًا يوجب كفره أو إهدار دمه، مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمسك عمن ظهر نفاقه لبعض الناس؛ لخفائه عن الغالبية العظمى منهم؛ درءًا لمفسدة أن يتحدث الناس أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- يقتل أصحابه.

فكيف إذا كان الحال أن فصيلاً ينتسب إلى الجهاد يَذبح مَن ينتسب إلى فصيل آخر؟!

ولا شك أن غلو "داعش" في التكفير قد تضاعف بعد إعلانهم عن دولتهم المزعومة؛ إذ زادت الأمور التي تستلزم الكفر عندهم لازمًا جديدًا، وهو "الامتناع عن بيعة دولتهم"؛ إذ يرون أن مثل هذا الأمر لا يصدر إلا عن نفاق وزندقة!

ومن العجيب أن البعض صار يدافع عنهم بأنهم ورثوا نزعات التكفير من شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- أو من أحفاده، وتناسى أن السلفية قائمة على أنه لا معصوم إلا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن كل أحد يؤخذ مِن قوله ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ هذا إذا سلمنا بصحة هذه الدعوى، ولا شك في بطلانها فيما يخص شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- الذي قال في رد هذه الفرية عن نفسه: "وإذا كنا لا نكفـِّر مَن عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم مَن ينبههم؛ فكيف نكفر مَن لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم".

فقول بعضهم أن "داعش" اتهمت بعين ما اتهم به محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- سفسطة بالغة العجب! حيث نفى ابن عبد الوهاب التهمة بقوله وعمله، بينما أثبتتها "داعش" بقولها وعملها الموثق بالصوت والصورة.

الحقيقة الثانية: هوس إقامة الدولة:

نحن نؤمن بأن الإسلام عقيدة وشريعة، دين ودولة، وأن من مقاصد الشريعة الإسلامية إقامة الدولة الإسلامية، والتي من خصائصها:

1- الحكم بالشريعة الإسلامية في جميع الأمور.

2- دور الحكومة فيها حفظ الدين وسياسة الدنيا بالدين.

3- الحاكم يختار فيها عن طريق أهل الحل والعقد الذين تدل بيعتهم على الرضا العام بالحاكم.

4- أنها تضم الأقطار الإسلامية كلها.

هذا وقد وُجدت في واقع المسلمين صور من الدول التي لم تتحقق فيها كل هذه الشروط؛ فوجدت دول تطبِّق الشريعة على نطاق بقعة جغرافية كبيرة، ولكنها لا تمثل كل الأقطار الإسلامية، كما وجد حكام يتجاوزون الشريعة في بعض سياساتهم، كما وجد حكام متغلبين بالسيف والسنان، وليس ببيعة أهل الحل والعقد.

ومِن ثَمَّ اقترح الاصطلاح على تسمية الدولة المستجمعة للشروط: "بالخلافة التامة"، وتسمية ما افتقد فيها بعضها: بالخلافة الناقصة، وعندما كانت المساحة تتقلص جدًّا كانوا يطلقون عليها وصف الإمارة.

ومن الأمثلة التاريخية على ذلك: "إمارة الموصل"؛ تلك الإمارة العظيمة التي طردت الصليبيين من الشام عندما تحرك "عماد الدين زنكي" -رحمه الله- من الموصل إلى الشام لجهاد الصليبيين، وظل يوسع حدود إمارته دون أن يدعى له وصف الخلافة لا في زمنه ولا في زمن ابنه "نور الدين محمود" -رحمه الله- حتى أنقذ الله مصر من الفاطميين على يد تلميذهما "صلاح الدين الأيوبي".

الصفحة التالية