شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"داعش" والحقائق الثلاث: "الغلو في التكفير - هوس إقامة الدولة - توظيف الأعداء لتطرفهم"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وقد تكلم "الجويني" -رحمه الله- في كتابه: "غياث الأمم" على قريب من هذا، فذكر ثلاثة أحوال:

الأول: وجود خليفة مستجمع للشروط.

الثاني: عدم وجوده، مع وجود شخص ذي نجدة وكفاية صالح لتولي الأمر.

الثالث: والذي وصف فيه أحوال أشبه بأحوال بلاد العراق والشام وغيرها في زماننا، ووصفها بشغور الزمان عن الإمام، ووجَّه فيها عناية الأمة إلى التعاون على البر والتقوى، والتعاون على إقامة فروض الكفايات عن طريق رجوع أهل كل محلة إلى علمائهم، مع توجيه علماء كل محلة لضرورة توحيد جهودهم وراياتهم؛ فأين هذا ممن يعلن دولة خلافة لمجرد سيطرته على بقعة من الأرض؟! بل إن سيطرته ليست كاملة ولا حقيقية!

والعجيب أن هذا الخليفة المزعوم لم يعتنِ برعيته في قارات الدنيا الست، ولا عرَّفهم بنفسه، ولا بيَّن لهم كيف يمكن أن يبايعه مَن عاش معه أوهامه!

ثم إنك إذا يممتَ وجهك شطر علماء السياسة؛ وجدتَ أنهم يذكرون للدولة أركان ثلاثة: "حدود جغرافية ثابتة - شعب مستقر عليها - نظام حكم"، وأنت لا تكاد تجد في دولة "داعش" المزعومة شيئًا من هذا يجعلها حتى مجرد دويلة وفق هذا التعريف السياسي! وهو تعريف ينطبق مع السنة النبوية حيث لم يتعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- كحاكم إلا بعد أن وُجدت الأرض والشعب، والذي كان بيْن مؤمن به -صلى الله عليه وسلم-، وبين معاهد، ومِن ثَمَّ ندرك مدى حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على إتمام وثيقة المدينة لتكتمل له أركان الدولة.

وإذا قارنا بين حال النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، وبين حاله في مكة وفي شِعب أبي طالب، وكذلك حال أبي جندل وأبي بصير -رضي الله عنهما-، يتبين لنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقام دولة في المدينة بالمعايير السياسية المتعارف عليها حديثًا.

وإن ادعاء "داعش" إقامة الخلافة ثم ترحيب البعض بذلك لا يَخرج عن الحالات التي تصيب بعض البشر في الأزمات بالبحث عن فكرة الخلاص السريع وأنه أتى أو على وشك الإتيان، وقد راجت في وقت من الأوقات كتابات تحديد عمر أمة الإسلام ونحوها، والآن جاء دور "قيام دولة الإسلام".

وهي حمَّى بدأتها "داعش"، وتبعتها "بوكو حرام" في نيجيريا، ونسأل الله ألا يأتي اليوم الذي يكون فيه في كل مجموعة أحياء "خليفة مبايَع"؛ يقيم الحدود، ويجمع الصدقات، ويحارب مَن خالفه.

الحقيقة الثالثة: توظيف الأعداء لتطرفهم:

ضع نفسك مكان متخذ القرار الأمريكي أو الإيراني، وأمامك الآن فصيل ينتسب إلى أهل السنة، ومع هذا يسرع فيهم القتل... !

أمامك فريق يكفـِّر بكل ما يظنه موالاة للأعداء، ومع هذا يسلم القيادة العسكرية لقيادات من البعث العراقي... !

أمامك فريق لديه فكرة الخلافة في بيعة مجهول مِن مجاهيل مثله في بعض الدروب الصحراوية... !

ومِن هنا، كان توظيفهم في قتال الفصائل التي تقاتل "بشار"، بل وفي الزمان والمكان الذي كان يحتاجه "بشار"!

ويذهب البعض إلى تحليل هذا بالعمالة الصريحة، ولكن طالما أننا نتكلم عن حقائق؛ فهذا "التوظيف" حقيقة ملموسة على الأرض، وأما تفسيرها: فيمكنك أن تذهب فيه كل مذهب، وأقصى درجات إحسان الظن أن تقول: إن بعثيي بشار استطاعوا التواصل مع بعثيي "داعش" لإثارة الخلافات مع فصائل المجاهدين الأخرى في الزمان والمكان المطلوبين لبشار.

ثم لما كانت القبائل السُّنية بصدد بداية جهاد مسلح ضد الحكم الشيعي، وكحقيقة ملموسة أيضًا ستجد أن قوات الجيش العراقي قد انسحبت من أمام "داعش" مخلفة وراءها ذخيرة وعتادًا، بينما تستميت في قتال القبائل السنية!

وكحقيقة ملموسة أيضًا؛ فإن الطيران الأمريكي لم يتدخل إلا عندما فكرت "داعش" في دخول المدن الكردية!

ويمكنك أن تذهب في تفسير هذه الوقائع كل مذهب... ولكن يبقى أن أقصى درجات حسن الظن أن الأمريكان والشيعة يدركون أن سلاح "داعش" سوف يتحول إما عاجلاً وإما آجلاً لإجهاض جهاد القبائل السنية كما فعل في سوريا.

ولإدراك أمريكا أنه لا يمكن أن تُهدم فكرة الحكم بالشريعة في بلاد المسلمين المعاصرة، وأمل السعي العاقل المتدرج للوحدة -والذي اقتبسه الاتحاد الأوربي من بعض الكتابات الإسلامية-؛ فلا يمكن أن يُفعل هذا كله بأفضل مما فعلته "داعش".

وفي النهاية نكرر ما ذكرناه إبان حرب حزب لله مع إسرائيل، نتمنى انتصاره عليهم مع بدعته، لكونه أقل منهم شرًّا، ولكن نحذر من انخداع أو حماسة أو وهم يمرر فكر العنف والتكفير إلى بلادنا.

كما يجب التحذير ممن إذا أُحبط مِن فشل تجارب سلمية؛ تمنى أو كف لسانه أو قلمه عن نقد فكر التكفير والعنف من باب "اتركهم يجربون -أو يذوقون- ويلات تضييقهم على الدعوات السلمية".

وهذا منطق مجافٍ للسنة من جهات عديدة، أهمها:

1- السكوت عن منكرات هذه البدع.

2- المشاركة في هدم المجتمعات المسلمة التي هي بيئة الدعوة وحاضنتها، وهي المقصود الأهم "قبل ومع الدولة".

3- التقصير في كف الاعتداء على أعراض المسلمين ودمائهم.

4- أن هذه البدع متى وُجدت تجذرت وصعب جدًّا اقتلاعها.

ومِن ثَمَّ فيجب على الجميع أن يتكاتف من أجل التصدي لكل هذه الانحرافات التي توجد في المجتمع، لا سيما تلك التي تُفعل باسم الدين؛ لأنها تنفـِّر الناس مِن الدين، وتصد الناس عن الحق، وتوقع الفتن والشحناء بين المسلمين.

نسأل الله أن يعصمنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

الصفحة السابقة