دعوة الجبهة "القطبية"... مزيدٌ مِن الدماء لتحسين شروط التفاوض!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وهذا يعني أن ثمة أوامر قد جاءتهم بالانصراف فور معرفة خبر الفض، وأن ما يشتكي منه "عاصم عبد الماجد" أحد أبرز المتحالفين مع الجماعة مِن الإجابة التي تلقاها كلما طرح عليهم السؤال: "ماذا لو أقدموا على فض الاعتصام؟" فكانت الإجابة أن هذا الأمر غير محتمل؛ فلا يوجد داع لدراسته! إن هذه الإجابة لم تكن "دقيقة"، وأن ثمة خطة كانت معدة، وكان مِن تفاصيلها صرف شباب الإخوان لمحافظاتهم بناءً على أن معهم عذرهم، ولهم دورهم، وترك الشباب الذي حشده "عاصم عبد الماجد" و"محمد عبد المقصود" وغيرهما... وبلا توجيه أو خطة أو حتى معرفة بما يدور، وهذا ما أدى إلى أن معظم القتلى في رابعة كانوا من السلفيين "أي مِن أبناء التيار السلفي العام"، وهو ما اعترف به محمد عبد المقصود في حوار له على قناة الجزيرة مباشر مصر.
ولا يعترض على هذا بمقتل "أسماء البلتاجي" -نسأل الله لها الرحمة والمغفرة-؛ فلسنا نقول: إن كل شباب وفتيات الإخوان غادروا الميدان، وإن كانت أسرة "صفوت حجازي" قد غادرتْ "ليلة الفض" كما جاء في حوار لزوجته، وأسرة المهندس "خيرت الشاطر" قد صورتهم الكاميرات وهم يغادرون مِن الممر الآمن في بداية الفض، ولم يأخذوا بفتوى أن هذا فرار مِن الزحف؛ فيبقى السؤال في حق هؤلاء: مَن أفتاهم بفتاوى تخالف ما أفتى به الجميع؟!
وأما أن "أسماء البلتاجي" قد عملتْ بالفتوى العامة؛ فلا غرابة في هذا، وإن كنا نتمنى عدم صدور مثل هذه الفتوى، وعدم التزام الجميع بها بما فيهم "أسماء البلتاجي" لمخالفتها للكتاب والسنة، وإيجابها على الناس ما لم يوجبه الله عليهم، وهذا ما يدفعنا للتأكيد على سؤال عمن عمِل بخلاف تلك الفتوى، وهم عدد لا بأس به مِن القادة، وعدد مِن أسر القادة ممن سميناهم، ومعظم الشباب الذين عادوا إلى محافظتهم: مَن أفتاهم بما أفتى؟!
الخلاصة:
إنك متى تعاملت مع الشعارات المرفوعة على أنها شعارات حقيقية؛ فسوف تواجهك عدة مواقف مستعصية على التفسير، وأما إذا استحضرت التهمة التي ألقتها "حياة اليماني" في وجه "هشام كمال" فلم يستطع منها فكاكًا مِن "تعليق" الشباب بآمال إلى درجة يمكن قراءتها على أنها خداع، واستحضرتَ إستراتيجية "خالد سعيد" في أن المرحلة الأخيرة لن يكون أمام النظام إلا إما التفاوض بلا ممنوعات أو إراقة الدماء بلا حد، وأنه يتوقع وينتظر ويتمنى الأولى؛ فسوف تجد أن الأمور كلها متسقة ومتناغمة، وأن الرصيد الإستراتيجي الذي تحتاجه هذه الخطة مِن الدماء هو "الشباب الإسلامي"؛ لا سيما "التيار السلفي العام"! وأنهم في عرف أصحاب هذه النظرية لا يَلزم أن يعرفوا الأهداف الحقيقية؛ فضلاً عن الأخبار الصادقة، ويكفي أن يسلِّموا أنفسهم لرجال المرحلة -كما سماهم البعض!-.
وأما مَن يريد أن ينصح لأتباعه، ولعموم شباب المسلمين: فعليه أن يتصدق بعرضه، وأن يتحمل التهم المحفوظة لدى هؤلاء مِن الخيانة والعمالة والنفاق! وليتحمل معها الشتائم السوقية التي جَدت عليهم؛ لا سيما بعد "شرعنتها!".
وبقي أن نبيِّن: أن هذه الإستراتيجية رغم ما فيها من مفاسد... واعتمادها على محاولة إيقاف عجلة التاريخ، ورفع شعارات أن: "الموت أكرم من الحياة في ظل نظام الحكم الحالي" -رغم أن رافع هذا الشعار من الممكن أن يكون قد عاش في ظل حكم أسوأ أو أفتى أو ساهم في عيش غيره في ظل حكم أسوأ-، ومع هذا فمن الممكن أن تستمر هذه الأمور حتى يقتنع "القادة" أن تفاوضًا جيدًا قد لاح في الأفق، والآفة أن مَن يؤمنون بهذه الإستراتيجية لا يضعون لها سقفًا زمنيًّا، فعندما اختلفوا مع "عبد الناصر" رفعوا شعار: "عدم التفاوض"، وعندما آمن بعضهم بالتفاوض، وعلى رأسهم: الأستاذ "محمود عبد الحليم" مؤرخ الجماعة أفسد عليه الأستاذ "عبد القادر عودة" -رحمه الله- مفاوضاته، واستعمل في سبيل ذلك أساليب وصفها الأستاذ "محمود عبد الحليم" بأن الأستاذ "عبد القادر عودة" قد استعمل معه أسلوب: "الغاية تبرر الوسيلة!".
وعندما تكرر العرض من "عبد الناصر" عليهم في السجون بعد "نكسة 67"، وهمَّ بعضهم بقبول التفاوض؛ خرجت المجموعة القطبية لتعلن كفر "عبد الناصر" ونظامه، وكفر مَن يقبل الصلح معه، لتدخل الجماعة في معركة داخلية في السجون مع هذا الفكر الذي كان كامنًا داخلها وانفجر مع تلك المفاوضات، وما تولد عنه مِن جماعة التكفير والهجرة، وجماعة التوقف والتبيُّن، وغيرهما.
ودارت رحى معركة فكرية حسمها تيار الاعتدال داخل الجماعة بإصدار كتاب "دعاة لا قضاة"، ولتصل الجماعة أخيرًا عام 74 لمفاوضات مع "السادات"، بينما انشقت عنهم جماعات التكفير، والتوقف، وفريق من القطبيين، وأما الفريق الآخر من القطبيين: ففضل البقاء تنظيميًّا داخل الجماعة مع سفر معظمهم إلى الخارج تاركًا المشهد لفريق من الإخوان لا يكفر الحكام ولا المحكومين، ولا يرى جاهلية المجتمعات، ولا يمارس العنف، وليصبح هذا هو الوجه المألوف للجماعة، ولكن الفريق الآخر ظل كامنًا في الجماعة، بل في مفاصلها الأساسية، وازدادت سيطرته بعد نجاح د."مرسي" في الرئاسة مما أثر في طريقة تعامل الجماعة مع الأحداث؛ لا سيما بعد أن تصاعدت حدة الاحتجاجات ضد د."مرسي"، وبدلاً من التعامل بموضوعية؛ تحالفت الجماعة مع تيارات قطبية صريحة، وتركت منصاتها الإعلامية لرموز لوحت بالتكفير والعنف، وكوَّنتْ "تحالف دعم الشرعية" الذي ضمَّ كل هؤلاء... ! ثم ها هي تترك جزءًا مهمًا مِن المشهد لإحدى الفصائل القطبية لكي تديره.
ولا ندري: متى تأتي مرحلة التفاوض؟ هل تأتي بعد عشرين سنة كما في أحداث "54-74"؟! أم تأتي أسرع من ذلك؟!
ولعل السؤال الأكثر تعقيدًا: أن القضية الآن ليست مجرد جناحين داخل الجماعة سوف ينزوي أحدهما لصالح الآخر، بل فصائل متحالفة مع الجماعة استعملتها الجماعة ووظفت غلوها؛ فكيف ستتعامل الجماعة مع هذا الملف إن أرادت العودة إلى الدعوة الإصلاحية التي نتمنى لها أن يوفقها الله لمن يقودها إليها؟!
تساؤل أخير حول موقف الإخوان من 28 نوفمبر:
- لو افترضنا أن فكرة ما يُسمى بـ"ثورة الشباب المسلم " قد بدأت في "الجبهة القطبية"؛ فمن حقنا أن نسأل: هل عرضتها على تحالف دعم الشرعية أم لا؟