أسباب انتشار ظاهرة التكفير (خطبة مقترحة) (4)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- إطلاق العنان لأهل الفساد، والتسلط على المتدينين بالسخرية والاستهزاء مع استحضار الشباب المتحمس لمثل قوله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (النور:19) .
- ومن هنا يقع كثير من الناس في شراك التكفير بغير حق؛ حيث العاطفة والغيرة على انتهاك الحرمات، ولكن بدون تحقيق وتفريق بين المعصية الكبيرة وبين الكفر المخرج من الدين ليكون شأنهم شأن العابد في قصة قاتل المائة نفس لما استعظم الذنب، فقال له: ( لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ! ) (رواه مسلم) .
تنبيه: المعاصي والذنوب دون الشرك مهما عظمت لا يقع الإنسان بها في الكفر ما لم يستحلها؛ قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء:48) .
- النبي -صلى الله عليه وسلم- أثنى على توبة بعض أصحاب الكبائر، فقال في المرأة الغامدية -رضي الله عنها-: ( لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ ) (رواه مسلم) ، وقال عن المصر على شرب الخمر لما سبه بعض الناس ولعنه: ( لا تلعنوه فو الله مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (رواه البخاري) .
4- وقوع الفتن وانتشار الظلم:
- أجواء النزاع بين المسلمين وشيوع الفتن تساعد على ظهور تيارات التكفير حيث يسلكون طريقا ثالثًا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخوارج: ( يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ ) (متفق عليه) .
- وتزداد فتنة التكفير إذا كان أحد الطرفين يتسلط على الدعاة والعلماء والمتدينين, فيكون الطرف الثالث هو مَن يتبنى تكفير المتسلط؛ لقوله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) (البروج:10) ؛ ولقوله -تعالى-: ( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (البقرة:254) .
- وربما يتطور الأمر لتكفير الطرف الثاني إذا أنكر عليه حيث يتهمه بالجبن وتضييع الدين، والرضا بما عليه الظالمون مستدلاً بقوله -تعالى-: ( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (هود:113) .
- وتزداد الفتنة وتأتي التساؤلات عند كثير من الشباب بازدياد الظلم والقهر للشباب المتدين في سجون الظالمين, قال "شكري مصطفى" أمير جماعة التكفير والهجرة بعد تعذيبه في ليمان طرة: "إن كل المجتمعات القائمة جاهلة وكافرة قطعًا".
- الإسلام ينهى عن الظلم وتعذيب حتى الحيوانات؛ فكيف بحكام جعلوا أعوانهم يعذبون الناس؟ وهل المجتمع الذي يسكت على هؤلاء يكون مسلمًا؟
فتكون الإجابة التي غذى الشيطان نار فتنتها مع قلة العلم وعدم مطالعة التاريخ هي الحكم بالتكفير للكل "الحكام والمحكومين والأعوان!".
5- هجر العلماء والإساءة إليهم:
- اتهام العلماء بالعمالة للحكام وإغفال القواعد الشرعية، مثل: مراعاة القدرة والعجز، والموازنة بين المصالح والمفاسد؛ فضلاً عن وقوعهم في الجهل بالأحكام -كما سبق-، ومثال ذلك: الاستهزاء بابن عباس -رضي الله عنهما- لما دخل عليهم وهو يلبس حلة ثمينة!
صور مأساوية في الإساءة إلى العلماء:
- قال أحدهم عن ترجمة البخاري في الصحيح: "بَابٌ: المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، وَلاَ يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلا بِالشِّرْكِ": "قائل هذا الكلام كافر وجاهل! فقيل له: إنه الإمام البخاري! فقال: ولو!" (إعلان النكير على غلاة التكفير) .
- وقال بعضهم عن الشيخ ابن باز -رحمه الله- وهيئة كبار العلماء: "هذه طائفة ردة وكفر".
- اتباع الأصاغر والمدعين للعلم "إنترنت - وفضائيات - وكتابات فكرية مضطربة", قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِن مِنْ أشراطِ السَّاعة أنْ يُلْتَمَسَ العلمُ عِنْدَ الأصاغِرِ ) (رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني) .
- فتجتمع الظلمات فوق بعضها: "التكفير - التنفير من العلماء - اتخاذ رؤوسًا جهالاً".
قال أحد الدعاة لأحدهم وهو يناظره: قال الله -تعالى-: ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) (طه:121) ، فهل يعني هذا كفر نبي الله آدم؟ فقال له: نعم!" (إعلان النكير على غلاة التكفير) .
خاتمة: ما السبيل والعلاج؟!
يشير الخطيب إلى أن ذلك يحتاج إلى حديث منفرد، ولكن في جمعة "إذ كل سبب مِن الأسباب السابقة يقابله علاج مِن وسائل العلاج".
فاللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.