شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حاجتنا إلى الإحسان

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن شداد بن أوس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إنّ الله مُحْسِنٌ يُحِبُّ الإِحْسانَ ) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني) .

ولأنه محسن -عز وجل- فقد أحسن كل شيء، وأتقن كل شيء؛ قال الله -تعالى-: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) (السجدة:7) ، وقال: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) (النمل:88) .

ولأنه يحب الإحسان -عز وجل- فقد أحسن إلى خلقه وعباده غاية الإحسان، وخلقهم في أحسن تقويم، وسخَّر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، وأمدهم بالأرزاق والهبات، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وكان مِن أعظم إحسانه -عز وجل- إليهم دعوتهم إلى التوحيد والإسلام ، وإرسال الرسل وإنزال الكتب، والدلالة على طرق الإيمان، وإثابتهم على الطاعات بالأجور المضاعفة ثم الخلود في جنات النعيم، فإحسان الرب إلى الخلق لا يحيط به أحدٌ قط.

ولأنه يحب الإحسان -عز وجل- فقد أمر به ودعا إليه في غير ما آية في كتابه الكريم، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) (النحل:90) ، وقال: ( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (البقرة:195) ، وقال: ( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) (القصص:77) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إنّ الله -تَعَالَى- يُحِبُّ منَ العامِلِ إِذا عَمِلَ أنْ يُحْسِنَ ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني) .

و الإحسان مأخوذ مِن الحُسن، وهو كل ما مُدح فاعله، وهو أعلى مراتب الدين: "فإن مراتب الدين ثلاثٌ: إسلام وإيمان وإحسان، والإحسان أعلاها، وإذا كان الإسلام يمثِّل أعمالَ الجوارح الظاهرة، والإيمان يمثِّل اعتقادات وأعمال القلوب الباطنة؛ فإن الإحسان الذي هو أعلى تلك المراتب هو إتقان تلك الأعمال وحسنُ أدائها، مع كمال التوجُّه بها إلى الله -سبحانه-" (موسوعة فقه القلوب للتويجري 1/ 777 بتصرف يسير) .

وإن الناظر إلى واقع المسلمين اليوم -في بلادنا وغيرها- ليوقن بحاجتهم الماسة إلى امتثال أمر ربهم -عز وجل- وتطبيق شريعته -في كل وقت، وإن كان وقتنا هذا مِن أولى هذه الأوقات-، ومنها ما أمرهم الله به مِن الإحسان، فما أكثر ما نسمع ونشاهد في مجتمعاتنا من صور النزاع، والفجور في الخصومة، والظلم والعدوان، والشماتة، والفرح بمآسي الناس وأحزانهم، وبأقذع العبارات وأشنع التعبيرات مِن كافة الأطراف، مِن هنا ومِن هناك!

نحتاج جميعًا إلى الإحسان كي نتحرر من ربقة الضغائن والأحقاد، والحسد، وكل أمراض النفس وسلبياتها، فينعكس هذا على أقوالنا وأعمالنا، وكل مواقفنا وسلوكنا؛ فننعم وتنعم مجتمعاتنا بالحب والود، والتفرغ إلى التنمية والبناء، والنهضة في كافة المجالات.

وقد وسَّع الشرع الشريف دائرة الإحسان لتشمل كل معاملات الإنسان، وكل نواحي الحياة، قال الله -تعالى-: ( وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (الأعراف:56) ، وقال -عز وجل-: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) (النساء:36) ، فجمع الله -تعالى- بيْن الأمر بتوحيده وعدم الشرك به وبين الإحسان حتى إلى المستضعفين مِن المماليك.

ولما أخبر الله -تعالى- بأنه لا يستوي فعل الحسنات والطاعات، ولا فعل السيئات والمعاصي، وهذا يتضمن فعل الخير وترك الشر - أمر سبحانه بإحسان خاص له أثر عظيم وموقع كبير، وهو الإحسان إلى المسيء والعدو؛ ذلك أن الإحسان للمحسنين لا يزيد عن كونه مجازاة بالمثل، أما الإحسان الأعلى قدرًا ومكانة عند الله والناس؛ فهو الإحسان لكل الخلق، حتى الذين أساءوا منهم! فقال -تعالى-: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (فصلت:34) .

فالإحسان إلى العدو والمسيء يجعله يُفاجأ بمقابلة إساءته بالإحسان، وهو الذي كان يتوقّع مِن خصمه ردَ السيئة بالسيئة أو بأشد منها، فتنقلب عنده المعادلة، ويخجل مِن إساءته، وينظر بعين الإكبار والتقدير إلى مَن أساء إليه، وإن لم يصر وليًّا حقيقيًّا صار كأنه ولي حميم!

وامتدح الله -عز وجل- عباده المؤمنين بإحسانهم إلى أعدائهم، فقال: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) (الإنسان:8) ، فهم ليسوا فقط يعدلون مع الأسير فلا يظلمونه أو يجوعونه، بل يؤثرون بأحب الطعام إليهم ويؤتونه لأسراهم ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا ) (الإنسان:9) .

وهذه الآيات ترد على مَن يترك الإحسان ويمتنع عنه بدعوى إساءة الناس أو أنهم لا يستحقون الإحسان؛ ولو استحضر المسلم أنه يتعامل مع الله ويبتغي الثواب منه دون سواه لسهل عليه الإحسان، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ ) (رواه مسلم) ، وإذا كان الله -تعالى- شكر لبغي مِن بني إسرائيل أنها سقت كلبًا فأدخلها بذلك الجنة، وكذا ثبت أن رجلاً دخل الجنة بكلب سقاه؛ فكيف بالإحسان إلى مسلم أو مَن يُرجَى إسلامه أو هدايته؟!

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ) (رواه مسلم) ، فأمر -صلى الله عليه وسلم- بالإحسان حتى في القتل بأن يختار الإنسان أسهل الطرق وأخفها إيلامًا وأسرعها زهوقًا.

فيا لله العجب!

الصفحة التالية