شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حاجتنا إلى الإحسان

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

إذا كان العبد مأمورًا في الإسلام بالإحسان إلى مَن استحق القتل من الآدميين أو غيرهم من أعداء الإنسان مِن وحوش وسباع، وبإحسان ذبحة ما يريد ذبحه مِن الحيوان، فكيف بغير هذه الحالة؟!

فما أحوجنا إلى الإحسان على كافة المستويات... إحسان في عبادة الله -تعالى-، وإحسان في معاملة الخلق ولو بالتبسم في وجوه المسلمين فتكون لنا بها صدقة، وإحسان في الحوار والكلام، وإحسان في إتقان المهام والأعمال، وإحسان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و إحسان في الدعوة إلى الله التي لابد أن تكون كما أمر الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن؛ فإن أعظم الإحسان إلى الخلق دعوتهم إلى الله، وتعليمهم ما ينفعهم في دينهم، وما يكون سببًا لسعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة مِن العلم بالله وأسمائه وصفاته، ودينه وشرعه، وتحذيرهم سبل الشر والمهالك.

ولذلك كان الأنبياء وأتباعهم هم أعظم الناس إحسانًا إلى الخلق بكل صور الإحسان وأنواعه؛ لأنهم يعرِّفون الخلق بربهم -سبحانه-، ويحملون الخير لهم، ويدلونهم على ما فيه نجاتهم.

صور مِن إحسان الأنبياء -عليهم السلام-:

- هذا عيسى -عليه السلام- كان مِن صفته: ( وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ) (مريم:31) . عن مجاهد -رحمه الله- في قوله: ( وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا ) قال: "نفـَّاعًا" (تفسير الطبري وابن كثير) .

- وهذا نبي الله يوسف -عليه السلام-: كانت صفة الإحسان ملازمة له على الدوام حتى وهو في الحبس والسجن اشتهر بالإحسان وعرف به، حتى قال له الفتيان اللذان سُجنا معه: ( نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:36) ، وقال له إخوته وهم لا يعرفونه بعد أن صار إلى الملك والحكم: ( يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:78) .

ولا شك أن يوسف -عليه السلام- كان في سجنه فقيرًا لا مال له، ولكن الإحسان لا يكون فقط بالمال، بل يكون كذلك بالنفس، والجاه، والسعي في مصالح المسلمين وقضاء حوائجهم، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ولأَنْ أمْشِيَ مَعَ أخِي المُسْلِمِ فِي حاجَةٍ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ أعْتَكِفَ فِي هَذَا المَسْجِدِ شَهْرًا ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) ، وقال: ( اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ) (متفق عليه) ، وقال: ( السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ ) (متفق عليه) .

- وهذا موسى -عليه السلام-: قال الله -تعالى- عنه: ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (القصص:23-24) .

فلم يترك -عليه السلام- الإحسان إلى المرأتين حتى مع ما كان يعانيه مِن التعب والنصب من جراء السفر الطويل والمسافة الشاسعة التي قطعها من مصر إلى مدين، ومع الألم النفسي من مفارقة أهله وشيعته رغمًا عن إرادته، ومع ما كان عليه مِن الخوف من فرعون وجنوده الذين كانوا يبحثون عنه في كل مكان لينالوا منه؛ فضلاً عن كونه غريبًا وسط قومٍ لا يعرف فيهم أحدًا ولا يعرفه منهم أحد، بل لم يسعَ أحد مِن القوم لمساعدة المرأتين، وفضلاً عن كون الموقف ذاته كان في وقت شدة حرارة الشمس كما يدل عليه قوله -تعالى: ( ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ).

مع كل هذا يرق موسى -عليه السلام- للمرأتين وتأخذه النخوة والمروءة والشهامة، فيحسن إليهما دون حتى أن يسألهما إن كانتا على الإسلام أم لا؟ تمامًا كما كان حال يوسف -عليه السلام- في إحسانه إلى أهل السجن وهم كفار مشركون، ومجرمون مذنبون؛ مما يدل على أن الإحسان عند أنبياء الله ورسله الكرام هو الأصل في المعاملة مع الناس.

- وأما نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-: فقد أدهش بإحسانه وعظيم أخلاقه العالَم كله، وكل مَن سمع به -في الجاهلية وبعد الإسلام-، فلم يُسمع بمثل رأفته وحرصه -صلى الله عليه وسلم- على نجاة الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة، ولم يُعرف في التاريخ قط أرحم منه وأشفق منه -صلى الله عليه وسلم-، قالت خديجة -رضي الله عنها- لما دخل عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- ترجف بوادره بعد ما رأى جبريل -عليه السلام- للمرة الأولى: فقال: ( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي )، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: ( أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي ) وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: ( لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي )، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: "كَلا أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ" (متفق عليه) .

فكانت هذه أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل الإسلام "ومع قومٍ مشركين!"، وأما بعد الإسلام فقد تضاعف ذلك؛ فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "مَا سُئِلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لاَ" (متفق عليه) ، وعن عبد الله بن شقيق -رحمه الله- قال: قلتُ لعائشة -رضي الله عنها-: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي وَهُوَ قَاعِدٌ؟ قَالَتْ: "نَعَمْ، بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ" (رواه مسلم) .

قال النووي -رحمه الله-: "قَوْلُهَا قَعَدَ بَعْدَ مَا حَطَمَهُ النَّاسُ، قَالَ الرَّاوِي فِي تَفْسِيرِهِ: يُقَالُ حَطَمَ فُلانًا أَهْلَهُ إِذَا كَبُرَ فِيهِمْ، كَأَنَّهُ لمّا حَمَلَهُ مِنْ أُمُورِهِمْ وَأَثْقَالِهِمْ وَالاعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِهِمْ صَيَّرُوهُ شَيْخًا مَحْطُومًا، وَالْحَطْمُ الشَّيْءُ الْيَابِسُ" (شرح النووي على مسلم) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية