الجهاديون الأوروبيون... و"داعش" (2)
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أثبتتْ قدرة تنظيم "داعش" على جذب الآلاف مِن الشباب الأوروبي إلى صفوفه عبْر الدعاية والإعلام عن طريق وسائل الاتصال على شبكة الإنترنت أهمية وخطورة الإنترنت، ومدى قوة تأثيره كسلاح فعال في يد مَن يُحسِن استخدامه.
فلقد مكَّن الإنترنت الأفراد والمنظمات مِن استخدام أنشطة متنوعة مِن التفاعل؛ لقابليته للاستخدام على نطاق واسع، وقدرته على الوصول إلى شرائح اجتماعية كثيرة مِن خلال الشبكات الاجتماعية، مثل: الفيس بوك ( Facebook )، وتويتر ( Twitter )، وماي سبيس ( My space ) حيث تضيف هذه المواقع مدى واسعًا ومتنوعًا مِن المعلومات عبْر صفحات الويب والتواصل مع الآخرين، وإقامة الصداقات بيْن طوائف مِن البشر قد لا تجمع بينهم أي أوجه مشتركة، وعن طريقها يمكن التسلل للشباب والأفراد في أي مجتمع في أمانٍ تام ودون أي عقبات أو مخاوف.
ويزيد مِن فرصة التأثير على الأفراد مِن خلال التواصل على الإنترنت أن كثيرًا مِن الشباب المستخدِم له أشبه بالمعزول عن المجتمع، يعيش في عالم افتراضي؛ فيكون قابلاً لأن تُجرى له عملية (غسيل مخ)، فيتخلى بالتدريج عن مسئولياته الاجتماعية، وينسى مع الوقت نفسه؛ فيصير أشبه بواحدٍ يُساق في قطيع يوجهه غيره، خاصة في ظل غياب الثقافة الجيدة، ونقص الخبرة بالحياة، إلى جانب تناقص دور الأسرة، وغياب الدور التربوي للمؤسسات التعليمية، وضعف دور المؤسسات الدينية؛ مما يؤثر على قدرة الشباب على التمييز بيْن الصالح والطالح، والخطأ والصواب.
إن القوى التي تستخدم الإنترنت كوسيلة حديثة للسيطرة على الشباب يسهِّل عليها الإنترنت مهمتها أكثر مِن أي وسيلة أخري عُرفت مِن قبْل؛ فالإنترنت وسيلة لها جاذبيتها، وتقوم على الترغيب لا الترهيب، وتخاطب العقول والقلوب والأبصار، وتساعد على التوجيه لمواقف وآراء وفق أجنداتٍ مدروسة، وهي في هذا كله تمارس نشاطها بصفة دائمة مستمرة لا تتوقف، وفي نعومة غير ملموسة لا يشعر بها أحد، ويزيد مِن خطورتها أنها واسعة الانتشار؛ تخترق حدود الدول لتشيع فيها الاضطراب والفوضى، وتوفـِّر للمعجبين بها المستخدمين لها قدرًا كبيرًا مِن السلامة، وعدم التعرض للخطر، أو كشف هويتهم، وأضرارها غير مباشرة، وتظهر نتائجها بالتدريج، وعلى المدى البعيد، وهي مؤثرة على نطاق واسع، ولفترات طويلة؛ إنها حرب بلا دماء مِن عدو خفي، وآثارها التدميرية مع ذلك رهيبة.
ويتيح الإنترنت لمن يسعون لنشر الفكر المتطرف أو الحث على ممارسة العنف والأعمال العدائية ضد دولة أو مجتمع ما خدمات متنوعة، مِن أهمها: غرف الدردشة والمحادثة، والكتابات الإلكترونية، والتي عن طريقها يتم تجنيد الأفراد، وتنسيق هجماتٍ وعمليات ممارسي العنف، بل وتقديم الدروس في صنع القنابل اليدوية وإطلاق النار واستخدام الصواريخ، خاصة مع بعد المسافات أو شدة الحصار وضعف القدرة على الحركة والتنقل.
ويمكن كذلك عن طريق الإنترنت:
- جمع الأموال مِن خلال التبرعات.
- أخذ مشورة الخبراء وتوجيهاتهم.
- تزوير الوثائق.
- تسهيل صفقات السلاح، وتبادل الأسلحة.
- تسهيل عمليات غسيل الأموال غير المشروعة تمهيدًا لإعادة استخدامها في تمويل أعمال العنف والتخريب والاغتيالات.
- حشد التأييد مِن قِبَل بعض الجماعات والمنظمات الأخرى أو التنسيق معها.
- كسب المؤيدين والمتعاطفين.
- التسلل إلى الجمعيات الخيرية ومواقع التجارة الإلكترونية لجمع الأموال بصورة خفية غير معلنة.
- تمجيد الجهاديين المنفذين للعمليات الانتحارية بعرض سيرتهم وما قاموا به على مواقع مخصصة لذلك؛ مما يزيد مِن قيمة هذه العمليات في نظر الشباب كتحفيز لهم، وتخصيص مواقع متزايدة لذلك، وهو ما يعرف باسم (المقابر الإلكترونية!).
ولمواجهة ذلك الخطر أكَّدت الدراسات ضرورة استغلال فرص التطور التكنولوجي في مجال محاربة التطرف والإرهاب عبْر الإنترنت، والتوصل إلى الأمن المعلوماتي على كافة أنواع المعلومات ومصادرها لحمايتها مِن السرقة أو التشويه، أو الاستخدام غير المرخص، وبالرغم مِن قيام بعض الدول بحجب الآلاف مِن المواقع لخطورتها فقد طـُرح بدلاً منها مواقع جديدة بنفس الفكر أو أشد، واُتبعت أساليب للتغلب على أساليب المقاومة بما أطلق عليه (التكنولوجيا والتكنولوجيا المضادة)، وظهرت مصطلحات جديدة مثل: "حرب المعلومات، وحرب الشبكات، والحروب التخيلية، وغير ذلك، في صراع للسيطرة على مفاتيح العلم والتكنولوجيا.
وقد سارعت دول العالم المتقدمة في التصدي لهذه المشكلة باتخاذ التدابير اللازمة للحد مِن الإجرام المعلوماتي مِن خلال اتفاقية "بودابست" المتعلقة بالإجرام الكوني، والتي تتكون مِن 48 مادة للقضاء على هذه الجرائم، وتم وضع قانون للإنترنت وإصدار إعلان به.
طرق مواجهة الجهاديين العائدين إلى أوروبا:
مِن المشاكل التي تواجِه الدول الأوروبية كيفية مواجهة الجهاديين العائدين إلى أوروبا بعد تجربة مشاركة وانضمام إلى "داعش" أعقبها عودة مِن جديد لبلادهم سواء عُرف عنهم ذلك أو تم الأمر بدون اكتشاف؛ ذلك أن مِن الجهاديين الأوروبيين مَن انضم إلى تنظيم "داعش"، وقرر البقاء معهم رابطـًا مصيره ومستقبله بهم، ومنهم مَن لقي حتفه في أعمالٍ قتالية معهم، ومنهم مَن قرر العودة لبلاد، لأسبابٍ عديدة، فمنهم مَن فشل في الوصول للمجاهدين بعد أن توجه بالفعل إليهم، أو تم ترحيله بعد الشك فيه وهو في طريقه إليهم، ومنهم مَن عاد لعدم تأقلمه مع حياة المجاهدين الصعبة، أو نتيجة تغير في فكره بعد أن طالع الأمر على حقيقته، وغير ذلك مِن الأسباب.
وهؤلاء عرضة عند عودتهم لأحوال شتى: فمنهم مَن عاد واستقر في بلده التي جاء منها -أو غيرها- ولم يتنبه أحد لأمره، ومنهم مَن عُرف أمره فصار تحت الاستجواب والمراقبة، ومنهم مَن ألقي القبض عليه لما علم عن نشاطه ودوره السابق مع المجاهدين.