شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفة مع تناول الإعلام للفتاوى الشرعية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتثور بيْن الحين والآخر موجة مِن الجدل الإعلامي بشأن بعض الفتاوى الشرعية، ويدلي كلٌ بدلوه، ويضيق صدر كثيرٍ مِن المعلـِّقين ببعض هذه الفتاوى، وربما كان بعضها مِن نوعية الفتاوى الشاذة التي اشتهر بها البعض، مثل: "زعم إباحة البيرة!"، أو القول بعدم وقوع الطلاق الشفهي! ونحوها.

ولكن الملاحظ أن مثل هذه الفتاوى -الشاذة فعلاً، والتي صدرت بشأنها بيانات مِن مجمع البحوث الإسلامية وغيره مِن مؤسسات الأزهر للبراءة منها- لا يُثار حولها ضجة بقدر ما تثار حول فتاوى لعلماء مِن الأزهر أو مِن غيرهم؛ لكونها تخالف المألوف عند بعض المحررين الصحفيين أو بعض الكتاب الليبراليين.

وكثير مِن هؤلاء الكتاب له شأن عجيب حيث يزعمون الدفاع عن الحريات وتبني أسلوب الحوار؛ إلا أنهم يمارسون أعلى درجات الاستبداد تجاه أي رأي يخالف المألوف عندهم والتهمة جاهزة: "الإرهاب والداعشية و... !".

وأي إرهاب أو داعشية في قول مَن يقصِر الأعياد الإسلامية على الفطر والأضحى عملاً بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن اليومين اللذين كان أهل المدينة يتخذونهما أعيادًا قبْل الإسلام: ( الله قَدْ أبدَلَكُم بهما خَيرًا مِنهما: يَومُ الأضحى، ويَومُ الفِطرِ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ؟!

وحتى وإن وجدت فتاوى لبعض المعاصرين تنفي عن كثير مِن (الأعياد) الاجتماعية وصف العيد، ومِن ثَمَّ تخرجها مِن مدلول هذا الحديث، وهي أقوال يُجهِد أصحابها أنفسهم في نفي واقع يتعلق بتاريخ هذه الأعياد أو بواقعها أو بطرق تحديد تاريخها إلى غير ذلك.

ولكن إن تغاضينا عن ذلك كله؛ فيبقى السؤال: لماذا يجبر الجميع على اعتناق هذا القول؟ علمًا بأن أئمة كبار وعلماء أزهريون يقولون بالقول الآخر ومستندهم حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعمل القرون الخيرية في الأمة.

وفي غمار حماسة هؤلاء الكتـَّاب لفرض ما يرونه مِن فتاوى تجدهم يزعمون أن مَن يدعو لغيرها يريد فرض رأيه على الناس، بينما واقع الأمر أنه لا يملك إلا أن يبين مستند كلامه مِن الشرع ومِن كلام أئمة المذاهب الأربعة، ومِن علماء الأزهر وغيرهم، وأن مَن يحاول أن يفرض رأيه فعلاً هم هؤلاء الكتاب مع اعتراف كثير منهم بضعف مستوى (ثقافته) الشرعية.

ويبلغ التناقض مداه حينما يدافعون عن آراء أبداها بعضهم في أمور شرعية تصادم نصوص الكتاب والسُّنة بينما يتكالبون على استنكار فتوى لها وجه مِن الشرع لمجرد استغرابهم لها؛ فمثلاً: وجدنا مَن يدافع عن الدعوة إلى "النباتية"، والتي تصل في كثير مِن الأحيان إلى تحريم ما أحلَّ الله مِن اللحم الطيب، واستهجان ذبح البهائم مع أن خالقها قد أذِن لنا في ذبحها، بل جعل ذلك الذبح نُسُكًا لنا في الهدي والأضحية والعقيقة "وفي ذلك واقعة شهيرة للكاتبة فاطمة ناعوت".

وفي المقابل: نجد ما ذهب إليه بعض أهل العلم مِن حرمة الفسيخ يصبح مجالاً للتندر في الرسوم الكاريكاتيرية وما شابهها؛ فقد اختلف متأخرو علماء المذاهب الأربعة (لا سيما المصريين منهم) في حكم الفسيخ؛ فمنهم مَن حرمه، ومنهم مَن أباحه، وتراجع في ذلك فتاوى دار الإفتاء المصرية كفتوى الشيخ "عطية صقر"، والتي استعرض فيها آراء العلماء في المسألة مِن خلال فتوى قديمة للشيخ "الدجوي"، ختمها بقوله: "بعد هذا العرض يكون أكل الفسيخ حلالاً عند الأحناف وبعض المالكية، فليست الحرمة متفقًا عليها، والدين يسر، وذلك بشرط عدم الضرر مِن أكله، ويختم الشيخ الدجوى كلامه بقوله: والورع تركه".

ويبدو أن بعض الكتاب نمى إلى علمه أن هناك فتوى بتحريم الفسيخ، وظن أنها لا بد وأن تكون صادرة عن "الدعوة السلفية"؛ فكتب مقالاً في "اليوم السابع" للرد على تحريم الدعوة السلفية للفسيخ، وأنا لا أعرف مِن دعاة الدعوة السلفية مَن يميل إلى القول بالتحريم، بل صرَّح الشيخ "ياسر برهامي" بجواز أكله وبيعه، وإنما ذِكرُ الحرمة كان في الكلام على اتخاذ أعياد غير الفطر والأضحى: كـ"شم النسيم" وغيره.

ومع أننا لم نقل بالتحريم إلا أننا نستنكر أن يتم تناول فتاوى العلماء الذين قالوا بالتحريم بهذه الصورة لمجرد أن فيها تحريم شيء يشتهيه الناس، وإنما يتم تقييم الفتاوى بما فيها مِن أدلة، ثم إن دراسة فتاوى العلماء الذين أفتوا بحرمة الفسيخ، والعلل التي استندوا عليها يمكن أن تؤدي بنا إلى تجنب الأسباب التي قادتهم إلى القول بالتحريم، ومِن ثَمَّ الوصول إلى فسيخ بعيد عن الشبهة شرعًا، وأبعد عن الضرر مِن الناحية الطبية والواقعية.

ويزداد الأمر ضجيجًا إذا كانت الفتوى تتعلق بفقه المرأة المسلمة أو استشارة تتعلق بالشئون الأسرية بصفة عامة سواء منها ما يتعلق بالعلاقة الخاصة بيْن الزوجين أو سائر الحقوق والواجبات، وقد رأينا كيف اشتعلت مواقع الانترنت غضبًا لفتوى نشرت على موقع "دار الإفتاء المصرية" تتعلق بموضوع الشات بيْن الجنسين على الإنترنت.

تقول الفتوى: "إذا كانت هذه المحادثة الإلكترونية بين رجل وامرأة، وكل منهم أجنبي عن الآخر؛ فإنها تكون ممنوعة، ولا تجوز إلا في حدود الضرورة، وذلك لما أثبتته التجارب المتكررة خاصة في عصرنا أن هذا النوع مِن المحادثات مع ما فيه مِن مضيعة الوقت واستهلاك له بلا طائل أو فائدة صحيحة؛ باب مِن أبواب العبث والشر، ومدخل مِن مداخل الشيطان، وذريعة للفتنة والفساد، ولقد امتدح الله المؤمنين بإعراضهم عن هذا فقال: ( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) (المؤمنون:3) . ونهى -سبحانه- عن التعاون على الشر فقال -تعالى-: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (المائدة:2) ، وأمر بسد الذريعة المؤدية إلى الفتنة فقال -سبحانه-: ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:108) .

الصفحة التالية