شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفة مع تناول الإعلام للفتاوى الشرعية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وكذلك لا ينبغي أن ترسِل المرأة صورتها لمن لا تعرف؛ صيانة لنفسها، وحفظًا لكرامتها وعرضها، خاصة وقد كثرت الاستعمالات الفاسدة لهذه الصور مِن قِبَل المنحرفين العابثين، وهي تعد ثقافة مختلفة عما يأمر به الدين" اهـ ، وقد شهدت تلك الفتوى هجومًا عنيفًا اضطرت معه دار الإفتاء إلى أن تحذف الفتوى مِن على موقعها، وكان الأفضل أن تصدر دار الإفتاء توضيحًا لهذه الفتوى أو حتى تعديلاً.

وهي فتوى اشتملت على نصائح شرعية واجتماعية غالية، ولكنها كان يمكن أن يضاف إليها:

- أولاً: توضيح أنها مُنصبة على المحادثة الثنائية بيْن رجل وامرأة كما هو واضح مِن السياق، ولا تتعرض لسائر أنواع التواصل الجماعية.

- ثانيًا: أن مثل هذه المحادثة تُقيد بالحاجة "كالسؤال عن علم ديني أو دنيوي أو ما شابه"، ولا يُشترط أن يَرقى الأمر إلى حال الضرورة ليصبح جائزًا "ويبدو أن الفتوى استعملت التعبير الشائع دون التفصيل الفقهي الدقيق".

- ثالثًا: وأما ما ذكرته مِن ضرورة سد ذرائع الفتنة؛ فأمر في غاية الأهمية.

والشاهد أنه مِن غير المقبول أن يتم تقييم الفتاوى الشرعية حتى الصادرة عن المؤسسات الرسمية بمعايير درجة اعتياد الناس لها، ولكن تُقيم بمعايير موافقتها للأدلة مِن الكتاب والسُّنة، واستمدادها مِن أقوال الأئمة.

حد عورة المرأة، وهل القدم داخلة فيها أو لا؟

جاء في موقع دار الإفتاء المصرية فتوى للشيخ "علي جمعة" حول هذا الأمر، ونصها: "يجب على المرأة المسلمة أن تغطي جسدها كله في الصلاة إلا وجهها وكفيها، وذهب الإمام أبو حنيفة والثوري والمزني مِن الشافعية إلى أن قدميها ليستا بعورة كذلك، وعند الإمام مالك أن قدمي المرأة مِن العورة المخففة، فإذا كشفتهما صحت صلاتها وإن كان كشفهما حرامًا أو مكروهًا، ولكن تنبغي عند إعادتهما مع سترهما ما دام وقت الصلاة باقيًا، فإن خرج وقتها؛ فلا إعادة عليها، مع بقاء المؤاخذة.

فالحاصل أن الخلاف قد وقع بين العلماء في حكم ستر المرأة لقدميها في الصلاة، والقواعد المقررة شرعًا:

أولاً: أنه إنما يُنكر ترك المتفق على فعله أو فعل المتفق على حرمته، ولا ينكر المختلف فيه.

ثانيًا: أن الخروج مِن الخلاف مستحب.

ثالثًا: أن مَن ابتلي بشيء مِن المختلف فيه؛ فليقلد مَن أجازوا بناءً على ما سبق، وفي واقعة السؤال فإن ستر المرأة لقدميها مِن الأمور الخلافية التي لا يُعترض فيها بمذهب على مذهب، وعلى المرأة أن تدرك أن تغطية قدميها خروجًا مِن الخلاف أمر مستحب، ومع ذلك فلها أن تقلد مَن أجاز كشفهما، ولا حرمة عليها حينئذٍ في ذلك، وصلاتها صحيحة، ولا ينبغي أن يكون ذلك مثار نزاع وخلاف بيْن المسلمين؛ لأنه مِن الأمور الظنية التي يسوغ الخلاف فيها، والتي يسعنا فيها ما وسع سلفنا الصالح حيث اختلفوا فيها مِن غير فُرقة ولا تنازع، والله سبحانه وتعالى أعلم" اهـ .

وفي هذه الفتوى أمور:

1- مذهب الشيخ "علي جمعة" الذي صدَّر به الفتوى وجوب ستر جميع البدن إلا الوجه والكفين، فيجب في ذلك ستر القدمين.

2- أن الإمام أبا حنيفة أخرج القدمين مِن حد عورة المرأة، وخالفه الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد.

3- مما يُؤخذ مِن هذا، ومع أن الأئمة الثلاثة متأخرون عن الإمام أبي حنيفة، فلم يلزمهم أحد، وبالتالي لم يلزم أتباعهم في عموم العالم الإسلامي بنقل والعمل بمذهب الإمام أبي حنيفة بدعوى كونه أيسر.

4- أن حتى مَن قلد الإمام أبا حنيفة أو رجَّح قوله؛ فالأولى مِن جهة العمل الخروج مِن الخلاف.

5- إذا رجعنا إلى الأدلة ووجدنا حديث أم سلمة -رضي الله عنها- حينما سألت النبي -صلى الله عليه وسلم-: أتصلى المرأة في درع وخمار؟ (الدرع أشبه بما يسمى في زماننا بالعباءة النسائية)، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نعم، إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها". فدل على أن ظاهر القدم عورة، وأنه يُعفى عن باطنه عند السجود، وأنه إذا لم يكن الدرع سابغًا وجب ستره بوسيلة أخرى كجورب أو نحوه.

سؤال وجواب للشيخ "ياسر برهامي" في ذات المسألة:

جاء في موقع صوت السلف هذا السؤال وجوابه للشيخ "ياسر برهامي".

"السؤال:

1- ما حكم لبس المرأة لحذاءٍ صيفي مكشوف وأسفله شراب، يعني ليس الحذاء مقفولا أو مغلقًا بأكمله فوق القدم، لكنها تلبس مِن تحته شرابًا، ويكون الجلباب فوق الحذاء بقليل، لكن لا يغطي الحذاء تمامًا، بل يكون الشراب والحذاء ظاهرين؟

2- هل يلزم في ذلك أن يكون الجلباب نازلا يجر على الأرض؛ لأنني قد أقع بسبب ذلك؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

1- فلا بأس إذا كان الجورب صفيقًا لا يشف.

2- الأفضل أن يكون الجلباب سابغًا مغطيًا للقدمين، ولكن إن حصل الستر بغيره جاز" اهـ .

ومِن الواضح مِن السؤال والجواب أمور:

الأول: أن الإجابة لم تخرج عما قرره الشيخ "علي جمعة" مِن مذاهب الأئمة الثلاث مالك والشافعي وأحمد، بل وما قرره مِن استحباب الخروج من الخلاف حتى لما مال إلى مذهب أبي حنيفة حيث كانت عبارات الشيخ في الإجابة تخبر السائلة في أن ما تفعله كافٍ "وهو بالفعل كذلك عند الأئمة الأربعة" ونصيحة بالأفضل، وليس إلزامًا، وهذا الأفضل مأخوذ مِن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-.

الثاني: أن السائلة تريد أن تحتاط أكثر، وبالتالي ليس في الإجابة أي تشديد عليها.

الثالث: أن هذا سؤال وجواب في موقع محدود الانتشار، وأن الذي أقام الدنيا ولم يقعدها هو مَن نقل هذه الفتوى، بل وتزيَّد فيها.

الرابع: أن الاستشارات المنشورة على موقع صوت السلف كثيرة ومتنوعة، وإذا أراد أحد أن ينتقي مثلاً ما يتعلق منها بالحجاب؛ فسيجد العشرات، ثم سيخرج بتحقيق صحفي ليوهم أن هذا هو الاهتمام الأوحد للموقع، فإذا أراد أن يأخذ مشاكل الزواج والطلاق فسيجد العشرات، وإن أراد أن يبحث عن الاستشارات المتعلقة بالرشوة وفساد الذمم فسيجد العشرات وهكذا، وبالتالي فالانتقاء يعطي انطباعًا غير صحيح عن تنوع الاستشارات "والتي بدورها تعكس اهتمامات القراء، وليس بالضرورة اهتمامات مَن يقوم بالإجابة عليهم".

الصفحة السابقة الصفحة التالية