شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إثبات توحيد الربوبية والرد على الملاحدة (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن الأمور المُجمَع عليها بيْن البشر الرغبة الشديدة في معرفة أصل نشأتهم وتكوينهم، وهو إجماع لا يكاد يوجد له أي استثناء، بل حتى أولئك الملاحدة يدل سلوكهم على أن هذه القضية تشغل في تفكيرهم حيزًا ربما يكون أكثر مِن غيرهم، ومِن ثَمَّ اختلفوا في إجاباتهم "الإلحادية" على هذه الحاجة الفطرية.

وثمة إجماع آخر على أن كل الخلق مؤمنهم وكافرهم يقرون مِن حيث المبدأ أن لهم خالقًا، وهذا الإجماع له بعض الاستثناءات النادرة، وهذه الاستثناءات هم مَن يوصفون "بالإلحاد".

ورغم أن الإلحاد وهو العدول عن الحق، لا سيما فيما يتعلق بالله -عز وجل- يشمل مَن ينفي وجود الله، ومَن يقر بوجوده ويشرك معه غيره في الربوبية أو الألوهية أو يلحد في معنى أسماء الله وصفاته؛ إلا أن الإلحاد إذا أُطلق فالمراد به هؤلاء الذين جحدوا وجود الخالق -جلَّ وعلا-.

ولابد هنا مِن التنبيه على عدة أمور:

الأول: أن نسبة هؤلاء -كانت وما زالت- وفي أوج موجات تصاعدهم نسبة لا تكاد تُذكَر، وأن فظاعة قولهم وفحشه وغرابته هو ما يجعل اعتناق العشرات له أمرًا مثيرًا للدهشة والعجب؛ فضلاً عن اعتناق المئات له (ولا أظن أن العدد يتجاوز ذلك في البلاد الإسلامية وإن كانوا في غيرها قد يبلغون الآلاف أو الملايين!).

الثاني: أن المسلمين يوقنون أن أعظم ملاحدة التاريخ "فرعون" لم يكن يدين بالإلحاد حقيقة، وهذا بخبر الوحي ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) (النمل:14) ، وأن هذا اليقين الذي حدث بموجب الوحي في شأن العقيدة الحقيقية لفرعون يوجد معه غلبة ظن بأن "معظم" حالات الإلحاد هي حالات يبدي فيها الشخص خلاف ما يعتقد، وإنما يُظهِر إلحاده لأسباب مختلفة نتبينها في النقاط الآتية.

الثالث: أن كثيرًا من الملحدين صُدموا في بعض عقائد الدين الذي اعتنقوه؛ فلجأوا إلى نفي قضية الدين من جذورها بما فيها قضية الربوبية، وهذا يدل على أن مسألة اصطفاف كل الأديان لمواجهة الإلحاد أمر ليس جديًّا؛ فعلى الرغم من أن عقائد الكفار المقرين بالربوبية أهون شرًّا من عقائد الملاحدة، وأن عقائد المقرين بأصل الرسالات (أهل الكتاب من اليهود والنصارى) هي الأقل شرًّا على الإطلاق من بين عقائد غير المسلمين؛ إلا أننا ينبغي ألا نغفل أن من أهم أسباب الإلحاد ما في هذه الأديان مِن تحريفاتٍ مخالِفة للعقل، بل وللحس أحيانًا (مثل حديث العهد القديم عن الغنم التي تلد غنمًا منقطة إذا أكلت عشبًا على هذه الضفة!).

ومِن ثَمَّ فمن المهم أن نتحدث عن الإسلام في مواجهة الإلحاد، وليس عن كل مَن صدَّق بوجود الله في مواجهة الإلحاد، لاسيما وأن هذه اللغة قد توهِم أن كل مَن أقر بالربوبية فهو مؤمن؛ بينما الإيمان الشرعي لابد فيه مِن الإيمان بتفرد الله بالربوبية وبالإلهية، والإقرار لمحمد -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة.

الرابع: أن بعض الملاحدة الذين ارتدوا عن الإسلام إلى الإلحاد يكون لهم شبهات جزئية في بعض العقائد، ومِن أشهرها: القضاء والقدر أو في بعض الحكم التشريعية أو في بعض ما يتسامعونه من مرويات السيرة، وربما نفـَّرهم مِن الإسلام بدع وخرافات ظنوها من الإسلام، وهي ليست منه في شيء.

وهذا يقتضي أمورًا:

أ‌- تنقية الدين مِن البدعة والخرافات التي ليست منه؛ لوجوب رد البدع والمحدثات في ذاتها ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ؛ ولأن وجودها يغذي تيار الإلحاد على النحو الذي بيَّـنَّا، ولعلنا ندرك مِن هذا أحد أغراض الغرب في إصراره على بقاء الصوفية بما يحمله تراثها مِن خرافات كممثلة -بل وربما ممثلة وحيدة- للإسلام.

ب‌- على العلماء والدعاة أن يهتموا بإزالة الشبهات في كل جزئية مِن الجزئيات، وعدم ترك الشباب فريسة لهذه الشبهات التي ربما استثمرها شياطين الجن والإنس لإضلال صاحبها إلى أبعد مدى.

ت‌- على كل مسلم تَعرض له شبهة أن يبحث عن إجابتها مِن عالِمها، ويدعو الله أن يوفقه إلى الإجابة الشافية عليها، وإلى أن يحصل له ذلك؛ فليحذر على نفسه مِن فخاخ الشيطان، وأن يشك في "اليقينيات" عقابًا للمجتمع الذي رفض أن يجيبه عن أسئلته فإنه لا يضر إلا نفسه؛ فإن الله لن يحاسبه على أمور عجز عن معرفتها، ولكن سيحاسبه على حق علمه ثم جحده "وأعظمه إثبات وجود الرب الخالق -جلَّ وعلا-".

الخامس: أن معظم مَن يلجأون للإلحاد يلجأون إليه فرارًا من ربقة الالتزام بالشرائع، ولذلك تجد أن معظم المجموعات الإلحادية تروِّج لنفسها عن طريق الفواحش أكثر من الترويج عن طريق الفكرة، ومع هذا فلن يعدم مَن انضم إلى هذه الأفكار بعض الشبهات، والتي لابد من إزالتها والجواب عليها؛ بالإضافة إلى العلاج من الشهوات التي هي المصيدة الرئيسية لكثير منهم.

تضافر الأدلة على إثبات وجود الله -عز وجل-:

وهذا الإجماع الذي أشرنا إليه حاصل لأسباب: أهمها تضافر الأدلة على إثبات وجود الله -عز وجل-، وهذه الأدلة تشمل جميع أنواع الأدلة "العقلية والنقلية"، ولكن لابد هنا أن نشير إلى أنه غلب علينا الحديث عن ثنائية العقل والنقل في حين أن الحديث عن العقل يضم في طياته الحديث عن مصادر أخرى نحتاج إليها بشدة عند الحديث عن إثبات وجود الله -عز وجل-، وهي: "الفطرة، والحس"؛ فحصل بذلك تضافر الأدلة مِن: "الوحي - والفطرة - والعقل - والحس".

1- دلالة الوحي:

وهي دلالة قد يُعترض عليها بأنها لا تصلح للاحتجاج على منكِر الربوبية مِن جهة أنهم لا يقرون بالوحي، ومع هذا فهي صالحة لذلك إذا اعتبرنا أدلة صدق الأنبياء، وأنها متى ثبتت دلت على صحة جميع ما أتوا به، ومِن ثَمَّ يمكن أن تكون الموضوعات التالية هي حجج في باب إثبات وجود الله -عز وجل-.

أ‌- دلائل النبوة.

ب‌- إعجاز القرآن.

ت‌- حاجة البشرية للإيمان باليوم الآخر.

ث‌- حاجة البشرية إلى تشريع، وإلى منظومة أخلاق.

- كما أن الوحي قد أورد على الملاحدة أدلة مِن: "الفطرة، والعقل، والحس"، ويكون الاحتجاج عليهم بها بمقتضى كونها أدلة فطرية أو عقلية أو حسية.

2- دلالة الفطرة على وجود الله -عز وجل-:

الصفحة التالية