شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إثبات توحيد الربوبية والرد على الملاحدة (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

قدَّمنا أن الحديث على الفطرة غالبًا ما يأتي في ثنايا الحديث عن العقل بالإضافة إلى أن الاتجاهات العقلانية المحضة لا تعرِّج كثيرًا على الفطرة أو تنفي وجودها حتى نازع في وجودها بعض رموز علم الكلام مِن المسلمين، مع أن الفطرة سابقة على العقل وبدونها لا يمكن أن يصبح العقل حجة، فإن الأمور التي يسميها البعض بالبديهيات العقلية مثل أن الكل أكبر من الجزء هي في الواقع مستند للنظر العقلي وليس نتيجة له، وهي جزء من الفطرة التي تجعل الطفل الرضيع يتلمظ طلبًا للثدي، وتجعل الطير يرقد على البيض إلى غير ذلك من المظاهر التي سوف يأتي الكلام عنها لاحقًا -إن شاء الله-.

وفي قضيتنا هذه لابد مِن التعويل الكبير على الفطرة حيث إن هذه هي القضية الأم والبديهية الأولى في نفس كل أحد؛ ولذلك جاء الوحي بالإرشاد ببديهية ما يتعلق بالإيمان بالله -تعالى-، فقال الله -عز وجل-: ( أَفِي اللَّهِ شَكٌّ ) (إبراهيم:10) ، وهو يشمل عدم الشك في استحقاقه للعبادة، ويتضمن بطريق الأولى عدم الشك في ربوبيته.

وبيَّن أن مِن أدلة صدق هذه البديهة "الفطرة"، فقال: ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (الروم:30) .

ومعنى عدم تبديلها يشمل عدة معانٍ...

منها: أنه لا يستطيع أحد حتى إن تغيرت فطرته أن يبدلها بالكلية، وأن يكتم كل آثارها، بل تبقى دائمًا ملحة عليه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيان أن الفطرة قد تتغير: ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) (متفق عليه) ، ولكن هذا ليس تبديلاً كاملاً، بل تبقى الفطرة -كما ذكرنا- كامنة ملحة على صاحبها.

ومِن المواطن التي تَظهر فيها تلك الفطرة: "الشدائد" حيث تغيب الترتيبات المصطنعة المنمقة، وتتعامل النفس على سجيتها، قال الله -تعالى-: ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا ) (الإسراء:67) .

ونحن نأخذ من هذا الطرح القرآني أننا معشر المؤمنين بالقرآن علينا أن نتلو هذه الآيات على الملاحدة "وإن لم يكونوا قد آمنوا بالوحي"؛ ليتدبروا في أنفسهم، ويروا هل يحصل ذلك منهم؛ فيعلموا أن خالقهم قد فطرهم على معرفته؟ أم لا فيستمروا في غيهم؟! وسوف يأتي لهذه القضية مزيد بيانٍ في مقالات لاحقة -بإذن الله-.

3- دلالة العقل:

استعمال دلالة الفطرة في إثبات وجود الله -عز وجل- أفضل وأوضح وأعلى شأنًا، فإنه يجعله من الضروريات، بل مِن البديهيات -وهو كذلك-، ومع هذا يصر الكثيرون على أن يلجوا باب الأدلة العقلية على وجود الله، وهو أمر لا بأس به إذا كان هذا لا يخل بمنزلة دليل الفطرة.

وقد أشار الوحي إلى هذا النوع مِن الاستدلال بقوله -تعالى-: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) (الطور:35) .

وهي جملة وجيزة بليغة دارت حولها آلاف الجمل والكلمات مِن الفلاسفة والمتكلمين مِن جميع الأمم ليقدِّموا براهين على ما سموه علة كل شيء أو وصفوه بأنه واجب الوجود إلى غير ذلك من الفذلكات التي يصمم البعض ألا يؤمن إلا بها!

وهذا الكلام فيه حق وباطل، ولكن الخطر الأكبر أن نظن أن هذا هو الدليل الوحيد، فمن عجز عن فهمه أو شعر أن فيه شيئًا من الغموض لا يليق بقضية مصيرية كهذه كفَر بأصل القضية، وهذا للأسف أحد أبواب الإلحاد، فينبغي أن يُنتبه لذلك.

4- دلالة الحس:

وهذه الدلالة غير ممكنة في حق الله -تعالى- بصورة مباشرة، ولكن لابد فيها مِن شيء من النظر العقلي فيكون إدراك الخلق بالحواس، ثم الاستدلال بما فيه مِن إتقان وتنوع على الخالق -عز وجل-، وهو نوع أكثر القرآن مِن استعماله، ومنه قوله -تعالى-: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (فصلت:53) .

وهو ما عبَّر عنه الأعرابي بلغته، فقال: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج... ألا تدل على العليم الخبير؟!".

وقد عبَّر عنه المئات مِن علماء العلوم الطبيعية المعاصرين، ومنهم مَن أسلم، ومنهم مَن اكتفى بإثبات الربوبية كما سيأتي شيء من هذا -بإذن الله-.

بيْن العلوم التجريبية والعلوم العقلية:

اعتمدت أوربا مدة كبيرة مِن تاريخها على العقل القائم على البديهيات العقلية، وعلى الحس المباشر، واعتمدت مدة على الوحي، واعتمدت مدة ثالثة على العلوم التجريبية والتي تقوم على المشاهدات الحسية الموضوعية وإجراء التجارب المعملية عليها، وإعمال العقل في ربط الأشياء ببعضها، وهي المرحلة التي حققت فيها أوربا الطفرة الكبرى في اكتشاف نواميس الكون واستثمارها، فظن الأوربيون أن هذا يمثِّل انتصارًا للعلم التجريبي، وأنه يجب ألا يؤمنوا إلا لما صدر عنه!

وهنا لابد من عدة وقفات:

الأولى: تبقى الفطرة دائمًا فوق جميع هذه المناهج وأصلاً لها.

الثانية: لا يمكن تجاوز المنهج العقلي؛ وإلا لأدى لاضطراب العالم، واقتصار الفلاسفة على ملاحظاتهم السطحية هي عيب فيهم، وليست عيبًا للعقل الذي تدل (الفطرة) على أنه أصدق ميزان للأمور (بعدها).

الثالثة: الوحي يحتاج إلى الفطرة والعقل لتمييز صدق أو كذب مَن يدعي الوحي، ثم متى ثبت بهما صدقُ أحدٍ في أن الوحي ينزل عليه؛ صار هذا الوحي هو أعلى طرق الإثبات وأفضلها، وآفة الأوربيين أنهم لم يستعملوا فطرهم وعقولهم في قضية معرفة صدق مَن يدعي الوحي؛ فصدقوا (دعوى الإلهام للقساوسة، وكتبة السيِّر الذين رفعوا كتبهم إلى منزلة الإنجيل المنزَّل مِن عند الله!).

الصفحة السابقة الصفحة التالية