إثبات توحيد الربوبية والرد على الملاحدة (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الرابعة: نجاح العلوم التجريبية لا يعني صلاحياتها لبحث كل شيء، وإنكار الأمور التي لا تثبت بها حتى ولو كانت ثابتة بما هو أعلى منها كقضية الربوبية الثابتة بالفطرة والعقل، بل وبالحس -كما بيَّـنَّا، ولا يُعترض على هذا بأن قضية الربوبية لم تثبت بالحس المباشر، بل كان بطريق إدراك الآثار؛ فإن كثيرًا مِن العلوم التجريبية قائمة على هذا، ومن أهمها: الجاذبية والمغناطيسية والكهربية، والتي عليها مدار الحضارة الحديثة، وكل هذه الأمور شواهد لكل منها آثار مادية ملموسة فاستدل بها عليها، وإن كانت الظاهرة ذاتها غير خاضعة للحواس.
الفطرة بين إقامة الحجة والإفحام:
قدَّمنا أن الأدلة قد تضافرت على إثبات قضية الربوبية مِن الفطرة والعقل والحس (والوحي مرشد لنا إلى ذلك كله)، وأن دليل الفطرة هو آكدها وأعلاها وأوضحها، ولكن وإذا كان دليل الفطرة بهذه الدرجة من الوضوح والسلاسة والإقناع؛ فلماذا إذن يُعرِض عنه معظم المشتغلين في الرد على الملاحدة؟!
الواقع أن مَن يطلب إفحام الخصم فلا يكاد يوجد دليل غير الدليل العقلي الذي يسير بصاحبه إما إلى الإذعان أو مخالفة القطعيات العقلية، وهي طريق أغرتْ كل مناظر أن يبحث عنها مهما كانت وعرة، حيث يمكن للمخالِف إذا احتججتَ عليه بالفطرة أو حتى بالحس المجرد أن يكابر ويعاند كما فعل "فرعون"، وكما في المثل القائل: "عنز ولو طارت!"، ولكن مَن يطلب هداية الناس لا يطلب إفحامهم في المقام الأول بقدر ما يقصد إيضاح الحق لهم حتى إن كابروا وعاندوا بعد ذلك، وهذا مما يوجب علينا أن نسلك هذا الطريق في دعوة هؤلاء القوم.
خاتمة:
مما سبق يتبين لك أن أكثر الأمثلة انطباقًا على حال الملاحدة قول القائل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فـوق ظـهـورها محـمـولُ
فالفطرة ما زالت داخلهم لم يقدروا على طمسها، ويبحثون عن شيء يسكتونها به؛ فتارة يلجأون إلى السكوت التام واللا أدرية فلا يطيقون؛ فيهربون منها إلى دعوى الصدفة! ثم يخجلون فيفرون مِن كل هذه الدلائل الفطرية والعقلية إلى افتراضات "داروين" زاعمين أن هذا مِن باب العلم التجريبي، وهو لا يستند إلى حس أو عقل أو تجربة كما سنبيِّن.
وإذا كان حال هؤلاء كتلك العيس البائسة؛ فالعجب ممن يأتيه هؤلاء البؤساء وهو على نهر جارٍ فيخبرونه بخططهم في البحث عن الماء، وسرابهم الذي يتجارى بهم في كل وادٍ فأراد أن يقيم الحجة عليهم، فقام معهم في متاهاتهم وبيدائهم وسرابهم! والواجب عليه أن يصر على أن الذي أمامهم هو النهر الذي تراه أعينهم وتعتبر بآثاره عقولهم، وبعد أن يبيِّن لهم ذلك؛ فإن لم يقتنعوا فإن شاء أن يُعرِض عنهم؛ فله ذلك، وإن شاء أن يقوم معهم فيبين لهم أن ما يبحثون عنه هو السراب بعينه؛ فهو أحسن.
ولذلك فعلى كل مَن يريد أن يواجِه الإلحاد أن يقرر الفطرة السوية في إثبات الخالق، ثم يستدل على وجوده بأنواع الحجج العقلية "لا سيما تلك التي استعملها القرآن"، ثم يطوِّف بهم في النفس والآفاق، ثم ومِن باب التنزل في المناقشة يأتي على نظريات "داروين" وغيرها بالنقض.
وعكس هذا الترتيب ينزِّل المسألة مِن درجة القطعيات إلى درجة وجهات النظر، وهو عين ما يريده الملاحدة.
وسوف نتناول في المقالات القادمة -إن شاء الله- هذه الحجج، ثم نعرِّج بالنقض على نظريات الملاحدة.
والله المستعان.