إثبات توحيد الربوبية والرد على الملاحدة (3) دلالة الفطرة على إثبات الخالق
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
دلالة الفطرة على إثبات الخالق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنعيد التذكير بقضيتين تم تناولهما في المقالة الأولى من هذه السلسلة، وهما:
- منهجية مناقشة الملاحدة، وموقع دليل الفطرة منها.
- الفطرة بين إقامة الحجة والإفحام.
منهجية مناقشة الملاحدة وموقع دليل الفطرة منها:
إن أكثر الأمثلة انطباقًا على حال الملاحدة قول القائل:
كالعـيس في البيداء يقتلها الظما والماء فـوق ظهـورها مـحمـولُ!
فالفطرة ما زالت داخلهم لم يقدورا على طمسها، ويبحثون عن شيء يسكتونها به؛ فتارة يلجئون إلى السكوت التام واللا إرادية فلا يطيقون فيهربون منها إلى دعوى الصدفة، ثم يخجلون فيفرون من كل هذه الدلائل الفطرية والعقلية إلى افتراضات "داروين!"؛ زاعمين أن هذا من باب العلم التجريبي، وهو لا يستند إلى حس أو عقل أو تجربة -كما سنبين!-.
وإذا كان حال هؤلاء كتلك "العيس البائسة" فالعجب ممن يأتيه هؤلاء البؤساء وهو على نهر جار فيخبرونه بخططهم في البحث عن الماء، وسرابهم الذي يتجارى بهم في كل وادٍ، فأراد أن يقيم الحجة عليهم فقام معهم في متاهاتهم وبيدائهم وسرابهم؛ والواجب عليه أن يصر على أن الذي أمامهم هو النهر الذي تراه أعينهم وتعتبر بآثاره عقولهم، وبعد أن يبيِّن لهم ذلك؛ فإن لم يقتنعوا فإن شاء أن يعرض عنهم فله ذلك، وإن شاء أن يقوم معهم فيبين لهم أن ما يبحثون عنه هو السراب بعينه فهو أحسن.
ولذلك فعلى كل مَن يريد أن يواجِه الإلحاد أن يقرر الفطرة السوية في إثبات الخالق، ثم يستدل على وجوده بأنواع الحجج العقلية؛ لا سيما تلك التي استعملها "القرآن"، ثم يطوف بهم في النفس والآفاق، ثم -من باب التنزل في المناقشة- يأتي على نظريات "داروين" وغيرها بالنقض، وعكس هذا الترتيب ينزل المسألة من درجة القطعيات إلى درجة وجهات النظر "وهو عين ما يريده الملاحدة".
كما تعرضنا في ذات المقالة لموضوع الفطرة بين الحجة والإفحام فنذكِّر به هنا؛ لتبقى الصورة واضحة في الذهن.
الفطرة بين إقامة الحجة والإفحام:
قدَّمنا أن الأدلة قد تضافرت على إثبات قضية الربوبية من الفطرة والعقل والحس "والوحي مرشد لنا إلى ذلك كله"، وأن دليل الفطرة هو آكدها وأعلاها وأوضحها، ولكن إذا كان دليل الفطرة بهذه الدرجة من الوضوح والسلاسة والإقناع؛ فلماذا إذن يُعرض عنه معظم المشتغلين في الرد على الملاحدة؟!
والجواب: في الواقع إن مَن يطلب إفحام الخصم فلا يكاد يوجد أمامه دليل غير الدليل العقلي الذي يسير بصاحبه إما إلى الإذعان أو مخالفة القطعيات العقلية؛ وهو طريق أغرى كل مناظر أن يبحث عنه مهما كان وعرًا؛ حيث يمكن للمخالف إذا احتججت عليه بالفطرة أو حتى بالحس المجرد أن يكابر ويعاند كما فعل "فرعون"، وكما في المثل القائل: "عنز ولو طارت!".
ولكن مَن يطلب هداية الناس لا يطلب إفحامهم في المقام الأول بقدر ما يقصد إيضاح الحق لهم، حتى وإن كابروا وعاندوا بعد ذلك، وهذا مما يوجب علينا أن نسلك هذا الطريق في دعوة هؤلاء القوم.
دلالة الوحي على الفطرة، ومدى منطقية استعمالها للاحتجاج على مَن لا يؤمن به:
قد تناولنا في المقالة الثانية من هذه السلسلة "الوحي" كدليل لإثبات وجود الله -تعالى-، وبـيَّـنـَّا أننا سنرجع إلى الوحي كمؤمنين به، ولكننا سوف نأخذ الأدلة العقلية الواردة فيه ونحتج بها على غير المؤمنين به كأدلة عقلية مجردة، وهذا ينطبق أيضًا على دليل الفطرة؛ فنحن قد علمنا من الوحي أمورًا كثيرة خاصة بالفطرة، ولكن علينا إعادة صياغتها بحيث تقدَّم إلى غير المقر بالقرآن كدليل عقلي وحسي.
معنى الفطرة، وهل لها وجود؟
من جهة الوحي وردت الفطرة في نصوص كثيرة، منها: قوله -تعالى-: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) (الروم:30) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ) (متفق عليه) .
وهذه النصوص كلها تتجاوز إثبات مبدأ أن هناك شيئًا يسمى "الفطرة" إلى إثبات أن هذه الفطرة تتضمن قضايا، أهمها: "الإقرار بوجود الله -تعالى-، والإقرار باستحقاقه للعبادة"، وأن الخلق جميعًا قد سلمت فطرتهم في القضية الأولى إلا أندر النادر، بينما نازع الكثير منهم في القضية الثانية؛ ولذلك كان مِن ضمن حجج الرسل عليهم في القضية الثانية محاولة إيقاظ الفطرة وتجليتها، وهو ذات المسلك الذي ينبغي استعماله مع مَن طمست فطرته فيما يتعلق بالقضية الأولى.
ومعنى الفطرة المأخوذ من مادته اللغوية الدائرة حول معاني الخلق والانشقاق وما شابهها، ومن النصوص الشرعية التي تثبت القضايا التي تتضمنها هذه الفطرة - يعني أن الإنسان يولد ولديه بعض المعارف اليقينية التي لا تفتقر إلى تلقين أو إلى برهان أو استنباط، وأن الإنسان إن تُرك بغير تعليم مضاد سوف يجد في نفسه الاعتراف، بل اليقين بهذه القضايا، وأنه سوف يجد في نفسه الشعور أن هذا القضايا أسمى من أن يبحث لها عن دليل؛ فهي إذن قضايا تنشأ من النظر والاستدلال، وليس من التعلم والتلقين، وإن كان من الممكن أن تعتضد بهما أو بأحدهما، كما يمكن لطرق البراهين السوفسطائية، وللتلقين المعتمد عليها أو على التقليد أن يحرفها ويغيِّر يقين الإنسان تجاهها.
الفطرة والميثاق:
اختلف علماء الشريعة اختلافًا كبيرًا في علاقة الفطرة بالميثاق المذكور في قوله -تعالى-: ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) (الأعراف:172) ، وهم مختلفون في هذا الميثاق ذاته.
والراجح في هذا الباب: أن الميثاق المذكور في الآية كان ميثاقًا في عالم الذر، وأن الفطرة هي أثر ذلك الميثاق، وهي قضية تتعلق بها الكثير من التفاصيل التي تُبحث في كتب التفسير أو في كتب العقيدة، ولكن الذي نريد أن نقرره هنا أن هذه القضية لا علاقة لها إطلاقًا بقضية ثبوت الفطرة؛ بغض النظر عن وجود الميثاق الأول مِن عدمه، وعن علاقتها بهذا الميثاق.
الفطرة والمعرفة الضرورية: