شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إثبات توحيد الربوبية والرد على الملاحدة (3) دلالة الفطرة على إثبات الخالق

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

إن أقرب معنى للفطرة من المعاني المستعملة عند غير علماء الشريعة هو ذات المعنى المعنون عليه عندنا الفطرة هو: "العلوم الضرورية"، وهو علم لم يقع بنظر واستدلال، ولا يحتاج في حصوله إلى كسب؛ فهو يحس بالاضطرار والبداهة والارتجال دون توقف، ومِن ذلك ما يكون راجعًا إلى الحواس كتصديقنا أن الشمس طالعة، ومنه ما لا يكون راجعًا إلى الحواس، بل ببديهة العقل كالعلم بأن الكل أكبر مِن الجزء، وأن الواحد نصف الاثنين، وهكذا.

الملاحدة: هل ينكرون وجود الفطرة أم ينفون دلالتها على وجود الخالق -جلَّ وعلا-؟!

إن مِن الأمور الهامة التي ينبغي بحثها مع أمثال هؤلاء الملاحدة أن يُسأل الملحد: هل لا يقر بوجود الفطرة وينفيها مِن حيث المبدأ أم أنه يقر بها، ولكن ينفي دلالتها على وجود الخالق؟!

فإذا كان ينفي وجود الفطرة مِن حيث المبدأ؛ فهذا داء عضال لا علاج له؛ حيث يلزم مِن هذا إنكار جميع البديهيات العقلية التي قام عليها ما تلاها من النظر العقلي، فلا الكل أكبر مِن الجزء، ولا الواحد نصف الاثنين، ولا يمكن الاتفاق على وجود الشمس في رابعة النهار، ولا يوجد معيار لإثبات أن الصدق حسن، وأن الكذب قبيح، بل لن نجد تعريفًا لمعنى الحسن والقبيح.

وسيجد قائل هذا الكلام نفسه متناقضًا مضطربًا؛ لأنه يصف نفسه بالصدق والحرص على نفع الآخرين، والالتزام بآداب الحوار، وغيرها مِن الأمور التي "فطر البشر على حسنها وادعاء الاتصاف بها".

وفي الواقع: إن إنكار الملحد لوجود الله -عز وجل- يوقعه في ورطة افتقار الدافع للتخلق بهذه الأخلاق الحسنة، ومنها: ادعاؤه حب الخير للناس وحرصه على تصحيح مفاهيمهم؛ وهو ما يدعيه كل الملحدين "بما في ذلك الذين يعملون بأجور ضمن مؤسسات دورها نشر الإلحاد!".

فإنكار الفطرة بالكلية أمر يتجاوز مسألة التناقض؛ إلا أنه يفقد صاحبه كل الموازين في كل القضايا، وهي حالة أشبه بحالات الجنون والغيبوبة، نسأل الله العفو والعافية!

ثم إن قضية الفطرة أعم من قضية الفطرة على الإيمان بوجود الخالق، كما أنها أعم من قضية الفطرة البشرية ذاتها، بل إنها في حق المخلوقات الأخرى أظهر، حيث شرف الله الإنسان بالعقل الراجح والقابلية الأعلى للتعلم؛ وبالتالي تجد أن اعتماد سائر المخلوقات -سوى الإنسان- على الفطرة أظهر وأوضح، ويشمل كل مظاهر حياتها تقريبًا.

ويتضح هذا بدرجة كبيرة في: الطيور، والأسماك المهاجرة، وغيرها مِن صور الفطرة التي سوف نناقشها لاحقًا في أحد صور الأدلة العقلية على وجود الله -تعالى-، وهو الدليل الذي يسميه بعضهم بـ"الملائمة" المنتزع مِن قوله -تعالى-: ( الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (طه:50) ، وهو جانب مِن التأمل يشتمل على دليل الفطرة "بمعنى إثبات وجودها واعتماد الكائنات عليها"، ويشمل دليلاً عقليًّا على وجود الخالق -جلَّ وعلا-.

الفرق بين الفطرة وبين العقائد الباطلة المنتشرة:

إذا ثبت وجود الفطرة كمبدأ؛ فيبقى لنا أن نعرف ما هي القضايا التي يمكن أن ننسبها إلى هذه الفطرة؟ وضابط هذا أن نجد أن البشر مضطرون في قرارة أنفسهم دونما الحاجة إلى برهان، ودونما الاتفاق بينهم على مسألة ما؛ فكل مسألة كان هذا شأنها فإنها تكون مِن مقتضيات الفطرة.

فإذا وجد الإنسان نفسه قد وصل إلى غير مقتضى هذه الفطرة بحس أو برهان أو تلقين؛ وجب عليه أن يقوم بما استقر في الفطر السوية للبشر، فمن ولد أعمى ثم وجد البشر متفقين على أنهم يرون الشمس تشرق وتغرب؛ فلا بد هنا أن يعترف بأنه هو مَن يعاني خللاً في حاسته، وأنه إذا أراد لحياته أن تستقيم فينبغي أن يعتمد فيما يتعلق بهذه الحاسة على الأصحاء لكي يستطيع أن تستمر بها حياته بلا متناقضات؛ وإلا لتعسرت حياته تمامًا.

وكذلك مَن يكون عنده آفة تذوق الماء العذب مرًّا، فلا بد وأن يُكرِه نفسه على شربه تسليمًا لحواس البشر الطبيعيين وإلا مات عطشًا؛ لإصراره على استعمال حاسته التي ثبت عطبها عندما تمت مقارنتها بحواس عامة البشر، ومع هذا فلا يلزم الإنسان أن يلتزم بقولٍ ما لكثرة عدد أتباعه إن كان مستندهم التقليد أو كان مستندهم البرهان -ما دام يمتلك نقدًا صحيحًا له-؛ لأنه لا يُؤمَن عليه الخطأ، ولأن الرجل قد يعرض مسألة باطلة ببرهان يَروج على عددٍ كبيرٍ مِن الناس.

ومن هنا نعلم: أن الاستدلال بالفطرة ليس استدلالاً بالكثرة مطلقًا -كما يظن البعض-؛ وإلا فإن عددًا لا بأس به من أهل الأرض قد تدنست فطرتهم في قضية أخرى مِن مقتضيات الفطرة، وهي "إفراد الله بالعبادة"؛ فقد تقدَّم أن عامة أهل الأرض عبر التاريخ قد سلمت فطرتهم في باب إثبات وجود الخالق، بينما تدنست فطرتهم في باب إثبات استحقاق الله وحده بالعبادة؛ ولذلك احتاج الأمر إلى برهان يثبت أن ما هم عليه يخالف الفطرة؛ لردهم إلى مقتضى الفطرة الأولى، وهذا يقودنا إلى بحث المسألة التالية:

هل تتبدل الفطرة أم تتغير؟!

لا يبدو هذا البحث ذا فائدة كبيرة بالنسبة للملحدين، ولكنه ذو أهمية كبيرة لنا في طريقة مناقشتنا للملحدين، فهل نعتبر أن فطرتهم قد تبدلت وتغيرت بحيث لا يبقى أمامنا إلا أن نحيلهم لفطرة غيرهم، ونقنعهم بأن فطرتهم كانت على هذا النحو يومًا ما، أم ماذا؟!

من الناحية الشرعية: اختلف العلماء في هذه المسألة بناءً على طريقة جمعهم بين قوله -تعالى-: ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) (الروم:30) ، وبين قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ) (متفق عليه) .

وحاصل الأمر أن للعلماء في ذلك مسلكين:

الأول: حملُ قوله -تعالى-: ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) على الإنسان عند ولادته؛ فلا يمكن أن يولد أحد على غير هذه الفطرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية