شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إثبات توحيد الربوبية والرد على الملاحدة (3) دلالة الفطرة على إثبات الخالق

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الثاني: أن قوله -تعالى-: ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) عام حتى فيمن غيَّر أهله مقتضى فطرته؛ ومِن ثَمَّ يبرز هنا أهمية التفريق بيْن نوعين مِن التغيير، وليكن الاصطلاح على تسمية الأول: "تبديلاً"، والثاني: "تغييرًا"، ويكون "التبديل" المنفي في الآية هو محو الفطرة تمامًا من النفوس، وأن هذا منفي عن كل أحد، وإن كان يمكن أن يحدث تغييرًا في أن يَطغى التعليم بالتقليد أو البرهان الفاسد على مقتضى الفطرة، ولكن مع هذا يبقى للفطرة أثر حتى مع هذا التغيير، وهذا هو الأقرب للأدلة والواقع؛ فكم نرى في البلاد التي تنادي بالحرية الجنسية من استهجان أن يقع ذوو الوجاهات منهم في مثل ذلك، وما هذا إلا للأثر الباقي من الفطرة، وهكذا، ومما يؤكد هذا أن القرآن قدَّم براهين مِن شأنها أن تذكِّر مَن "تغيرت" فطرته بأصل فطرته.

الشدائد وأثرها في استعادة الفطرة:

قدَّمنا أن الإنسان مفطور على أن له خالقًا، كما أنه مفطور على أنه يجب أن يلجأ إلى هذا الخالق، وذكرنا أن كلاً مِن هاتين القضيتين قد تعرضتا للتغيير، وإن كان نسبة مَن تعرضت فطرته للتغيير في القضية الأولى أقل بكثير جدًّا ممن تعرضت فطرته للتغيير في القضية الثانية؛ ولذلك كان حوار القرآن في معظمه مع هذا النوع الثاني، ولكن الأسلوب ذاته يصلح بلا شك مع النوع الأول.

ومِن هذا أن القرآن قد أرشد الناس في سبيل معرفة الفطرة التي ولدوا بها لأن يلجأوا إلى أسلوب هو أقرب إلى الأسلوب التجريبي "ونحن نعلم أن لهذا الأسلوب مكانة خاصة في الفكر الالحادي"، والتجربة عادة ما تقوم على تحييد كل العوامل والنظر في العلاقة بين ظاهرة ما وبين عاملٍ وحيدٍ مِن عواملها، وإذا كانت المعارف الإنسانية تأتي إما من الفطرة أو التعليم سواء أكان عن طريق التقليد أو البرهان؛ فإن الله قد ركَّب في سننه الكونية أن الإنسان عندما يتعرض للخطر تتولى الفطرة قيادة دفة الأحداث بعيدًا أكثر مِن الأمور المتعلَّمة تعليمًا أو برهانًا "وهذا في حد ذاته دليل على وجود الفطرة".

ومِن الطرائف التي وقعت أكثر مِن مرة: أن الشرطة مِن الممكن أن ترد أشخاصًا يريدون الانتحار عن طريق تهديدهم بإطلاق النار عليهم، وفي حالة كون الشرطي الذي يقوم بهذا الإجراء محترفًا والشخص المقدِم على الانتحار لم يتلقَ التدريب الكافي على مواجهة هذا الموقف؛ فالغالب أن هذا التهديد يأتي بثماره ويتراجع الشخص عن موقفه الانتحاري تحت تهديد الخوف من النيران!

المهم هنا: أن الشدائد مناسبَة جيدة لدراسة السلوك الفطري الإنساني؛ ومِن ثَمَّ كان المشركون الذي يؤمنون بالله ربًا، ولكنهم يشركون معه غيره في العبادة إذا كانوا في الشدائد، ومع كثرة مَن تم حشو أدمغتهم من أن هؤلاء شفعاؤهم عند الله، وأنهم يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى فقال -تعالى-: ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ ) (الإسراء:67) .

وفي الواقع: إن نفس الأسلوب يمكن اتباعه في حالة منكري الربوبية، ويوجد في الكتب التي تتناول قضية الإلحاد الكثير مِن القصص التي تثبت أن بعض الملحدين وجد نفسه يهتف ويستغيث بالإله الذي كان ينكره، وقد كتب بعض الفلاسفة قصة أسطورية تحاول محاكاة وضع طفل ليس معه إلا الفطرة والنظر؛ لكونه وحيدًا في جزيرة ليستبعد بذلك أثر التلقين، وليصل مِن خلال ذلك إلى أنه في الجملة سوف يكتشف عددًا من السنن الكونية، وأنه سوف يهتدي أيضًا في الجملة إلى وجود الرب، وسوف يشعر بالحاجة إلى مناجاته؛ وبالطبع فإن القصة لا تخلو من مضامين فلسفية غير موافقة للوحي، ولكن الشاهد هنا هذه المحاكاة لحالة ليس فيها إلا الفطرة والنظر.

البراهين العقلية على وجود الله -تعالى-:

بعد استفراغ الوسع في محاولة إحياء فطرة الملحد ستجد لذلك أثرًا -بفضل الله- يقوى حينًا ويضعف حينًا، ولكن لا بد مِن وجود أثر؛ وهنا يأتي دور البرهان الذي يتمم دور دليل الفطرة ويؤكده.

ويفضَّل في باب البراهين العقلية على وجود الله أن نتفنن فيها، ونطنب في ذكرها مِن باب تحريك العقول والقلوب.

ويَجمل أن نعتني بدرجة أكبر بما كان منها أقرب إلى دليل الفطرة ومكملاً له: كالتدبر في العالم، وإدراك الحكمة في الخلق، ومعرفة كيف "فطر" الله كل مخلوق على ما يصلحه...

وهذا ما سنتناوله في المقالات القادمة -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة