أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه... ؟!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أظلنا شهر مبارك يغفل الناس عنه، وهو شهر "شعبان" الذي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه ترفع فيه الأعمال إلى الله -تعالى-، وكان -صلى الله عليه وسلم- يخصه بمزيدٍ مِن الاجتهاد بالصيام، فلم يكن يصوم شهرًا من الشهور ما يصوم مِن شعبان؛ فعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: ( ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني) .
- فتضمن هذا الحديث الشريف تحذيرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الغفلة في هذا الشهر وعدم الاستعداد لرمضان والتهيؤ لمواسم الطاعة والمغفرة، كما تضمن التنبيه على الاجتهاد في العبادة في شعبان "خصوصًا بالصيام"؛ تعرضًا لرحمة الله -تعالى-؛ لأنه شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين.
مما يذكِّر بالتوبة والرجوع إلى الله -تعالى-؛ عسى الله -عز وجل- أن يرحمنا ويتقبل أعمالنا، ويعيذنا مِن "الغفلة"؛ وما أكثر أسبابها وطرقها -خصوصًا في زمننا!-... ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا ) (النساء:27) .
ونحن نذنب كثيرًا، ونفرِّط في حق الله علينا، والأعمال بالخواتيم ولا يدري عبدٌ متى يحين أجله؛ ولذلك فإن التوبة لازمة على كل حال، والحاجة إليها حاجة ماسة؛ فـ( كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني) .
- فهلم إلى التوبة... فإنها وظيفة العمر وواجب الوقت، وهي بداية العبد ونهايته، وهي أول منازل العبودية وأوسطها وآخرها، ولا غني لعبدٍ عنها طرفة عين: "فإن التوبة هي الرجوع مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه ظاهرًا وباطنًا، ويدخل في مسماها: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وتتناول جميع المقامات؛ ولهذا كانت غاية كل مؤمن، وبداية الأمر وخاتمته، وهي الغاية التي وُجد لأجلها الخلق، والأمر والتوحيد جزء منها، بل هو جزؤها الأعظم الذي عليه بناؤها" (مدارج السالكين) .
- وإذا كان أنبياء الله ورسله الكرام -عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين- يتضرعون إلى الله -عز وجل- بأن يتوب عليهم وأن يتقبل توبتهم "وهم مَن هم في طاعة الله والتزام شرعه"؛ فكيف بغيرهم؟!
فهذا الخليل إبراهيم ومعه ابنه الذبيح إسماعيل -عليهما السلام- يتقربان إلى الله ببناء بيته الحرام، ويتضرعان إلى الله -عز وجل- أن يتقبل منهما وأن يتوب عليهما "هذا وهما يتلبسان بهذا العمل الصالح، بل هو مِن أحب الأعمال إلى الله، وهو إقامة وبناء بيته الحرام"، فقال الله -تعالى- عنهما: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:127-128) .
وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان مِن دعائه: ( رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) . والحوب: الذنب، أي: امح ذنبي. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سبعينَ مرَّةً ) (رواه البخاري) .
وقال -صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا صفوة الخلق بعد الأنبياء والمرسلين وهم الصحابة الكرام "ومَن بعدهم": ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) ، وهذا مع أن الله -عز وجل- أنزل على نبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) (الفتح:2) ؛ فهو -صلى الله عليه وسلم- مغفور له ما تقدم مِن ذنبه وما تأخر، ومع ذلك لا يكف عن الاستغفار والتوبة!
- ومعلوم عصمة الأنبياء مِن الذنوب -وإن جوَّز بعض العلماء عليهم الصغائر غير المزرية-، وأنهم لا يتعمدون فعل شيء منها؛ وما سُمِّي في حقهم ذنب فهو: إما أن يكون نسيانًا: كمعصية آدم -عليه السلام- كما قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) (طه:115) . أو خطأ غير مقصود: كفعل موسى -عليه السلام- في قتل الذي قتل خطأ. أو فتورًا عن الذكر: كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ) (رواه مسلم) ، والغين هو: الفتور والغفلة عن الذكر. أو خطأ في الاجتهاد: كعتاب الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ) (عبس:1-2) .
- وقد قامت بعثة الأنبياء والرسل على دعوة الخلق والأمم إلى التوبة والرجوع إلى الله -تعالى-: فهذا نبي الله هود -عليه السلام- قال لقومه يدعوهم إلى التوبة والرجوع إلى الله: ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ... ) (هود:52) ، وقال نبي الله صالح -عليه السلام- لقومه: ( فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ) (هود:61) ، وقال نبي الله شعيب -عليه السلام- لقومه: ( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) (هود:90 ).