أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه... ؟!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
- ولأن الله -تعالى- رحيم ولطيف بعباده؛ فقد فتح لهم أبواب الرحمة والمغفرة على مصراعيها، ودعاهم إليها؛ ولأنه -سبحانه- ودود؛ فقد تودد إلى خلقه وعباده "مع ما عليه كثير منهم مِن الكفر والطغيان والإفساد في الأرض"؛ محبة منه -عز وجل- في أن يتوب عليهم؛ فقال -تعالى- في آية عظيمة "تُعد مِن أرجى الآيات في كتاب الله؛ لما اشتملتْ عليه مِن بُشريات جليلة": ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر:53) .
فمن بُشرياتها:
- أن الله أضاف إلى نفسه -في جملة عباده- حتى الذين أسرفوا على أنفسهم.
- أن الله يغفر حتى لمَن أسرف في الإساءة إذا تاب ولم يَقنط مِن رحمة الله.
- أن الله يغفر الذنوب جميعًا "فدخل فيها حتى الشرك والكفر لمن تاب قبل معاينة الموت".
ثم علل ذلك -عز وجل- بأنه هو الغفور الرحيم؛ فهو يغفر لا عن عجز أو إكراه أو عطاء أو غيره -سبحانه هو القاهر فوق عباده-، بل يغفر -عز وجل-؛ لأنه هو الغفور الرحيم، ولأنه يحب أن يغفر وأن يرحم وأن يتوب على المسيئين.
- وقال -سبحانه وتعالى-: ( وَهُوَ الَذِي يَقْبَلُ التَوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَيِئَاتِ ) (الشورى:25) ، وقال: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَ يَسْتَغْفِرْ اللَهَ يَجِدْ اللَهَ غَفُوراً رَحِيمًا ) (النساء:110) .
- بل دعا الله -عز وجل- حتى أعداءه مِن الكافرين والمنافقين والمجرمين إلى التوبة!
- فقال -تعالى- في حق المشركين: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ) (الأنفال:38) .
- ودعا -عز وجل- إلى التوبة أقوامًا بلغ مِن كفرهم وعدوانهم، ومِن شناعة قولهم؛ أن العالم بأسره قد يختل نظامه وينهار الكون غضبًا لله -عز وجل- مِن قولهم: "إن لله ولدًا!": ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ) (مريم:88-92) .
فهذه المخلوقات الهائلة "السماوات والأرض والجبال" لو قدِّر لها أن تتخذ موقفًا لوقع ما أخبر الله به وتحقق؛ لولا حلم الله على الخلق، ولولا صبره -عز وجل- على أذاهم مع غناه -عز وجل- عنهم!
فقال -سبحانه- عن النصارى الذين سبَّوه ونسبوا إليه الصاحبة والولد -تعالى الله عن كفرهم وقولهم علوًّا كبيرًا-: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )، ومع ذلك فتح لهم باب التوبة على مصراعيه، وقال محرضًا لهم عليها: ( أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (المائدة:73-74) ؟!
وهذا استفهام إنكاري لما زعموه وتوهموه، وتوبيخ لهم على قولهم، وتعجبٌ مِن إصرارهم على هذه المقالات الفاسدة مع وضوح بطلانها! فكيف لا يتوبون من هذا الباطل، وهذا الضلال المبين؟!
وفي هذه الآية -أيضًا-: تطميع لأهل التوحيد في التوبة؛ لأنه إذا كان هؤلاء المشركون -مع كفرهم وسبهم لله وشتمهم له- يتوب الله -تعالى- عليهم إن تابوا إليه؛ فكيف بمَن دونهم مِن أهل التوحيد ممن وقع في الكبائر والذنوب؟! هم بلا شك أحق وأولى أن يغفر الله لهم.
- وقال -عز وجل- عن المنافقين "الذين خطرهم وإفسادهم في الأرض أعظم بكثير مِن الكفار والمشركين": ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) (الأحزاب:24) ؛ فلم يغلق -عز وجل- في وجوههم باب التوبة إن قدِموا إليه!
- وقال عمن قتل أولياءه مِن المؤمنين: ( إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ) (البروج:10) ؛ فأخبر أن مَن تاب -ولو كان فعل ذلك- فإنه يغفر له -عز وجل-!
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "انظروا إلى هذا الكرم والجود؛ قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!".
ومع ذلك لم يكتفِ -عز وجل- بالعفو عن المسيء والظالم إذا تاب واعتذر...
فيا لله العجب!
ألم يكن يكفي الملك -عز وجل- أن يقول: مَن أساء ثم تاب وأناب واعتذر؛ فلن أعاقبه؟!
بلى والله كان كافيًا... ولكن الله -عز وجل- جعل لمَن أساء وتاب ورجع إليه -مع المغفرة- المكافآت والهبات والجنات... فقال -سبحانه وتعالى-: ( يَا أَيُهَا الَذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُكُمْ أَنْ يُكَفِرَ عَنْكُمْ سَيِئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) (التحريم:8) . والتوبة النصوح: يعني الصادقة التي لا غش فيها.
- ووعد الله -عز وجل- التائب بأن يبدل سيئاته له حسنات: فقال -تعالى-: ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) (الفرقان:70) .
- وأخبر -عز وجل- بمحبته للتائبين: فقال -سبحانه-: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (البقرة:222) ، ومن أحبه الله -تعالى- أحبه جبريل -عليه السلام- وأهل السماء، ثم يُوضع له القبول في الأرض، كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-.
- ووعد -عز وجل- التائب بالفلاح في الدنيا والآخرة: فقال -تعالى-: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور:31) .