أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه... ؟!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
- وجعل للتائبين المتاع الحسن في الدنيا إلى أجل مسمى، والرزق الواسع، والقوة في البدن، والذرية: فقال -سبحانه وتعالى-: ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) (هود:3) ، وقال -عز وجل- على لسان هود -عليه السلام-: ( وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ) (هود:52) ، وقال على لسان نوح -عليه السلام-: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ) (نوح:10-12) .
- كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن توبة العبد تتسبب في حصول أمر عظيم لا يحصل بطاعة أخرى مِن الطاعات "مِن صلاة وصيام أو غير ذلك... "؛ ألا وهو "فرحة الرب -عز وجل- بمن تاب ورجع إليه": فعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ) (رواه مسلم) .
- فهنيئًا لمَن تسبب في فرحة الله -تعالى-.
إلى غير ذلك مِن الخيرات والثمرات العظيمة التي تحصل للتائبين والراجعين إلى الله.
ومعلوم أن شروط التوبة هي:
الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه؛ وإن تعلق الذنب بحقوق المخلوقين انضاف إلى ذلك: رد الحقوق إلى أصحابها أو استسماحهم فيها ما لم يكن في ذلك مفسدة تربو على مفسدة ما ارتكبه في حقهم.
ومما يعين على التوبة:
- أن يصبرَ الإنسان نفسه مع الرفقة الصالحة: قال الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ... ) (الكهف:28) ، وأن يهجر أصحاب السوء ويفر منهم فراره مِن الأسد.
- أن يواظِب العبد على الطاعات والعبادات، وإذا أذنب بادر إلى التوبة والاستغفار: قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:135) ، وقال: ( لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (النمل:46) .
- أن يديم النظر في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-: قال قتادة -رحمه الله-: "إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم؛ فأما داؤكم: فالذنوب، وأما دواؤكم: فالاستغفار". وقال الربيع بن خثيم -رحمه الله- لأصحابه: "تدرون ما الداء والدواء والشفاء؟ قالوا: لا. قال: الداء: الذنوب، والدواء: الاستغفار، والشفاء: أن تتوب فلا تعود".
- أن يقرأ في سيِّر الصالحين مِن الصحابة وتابعيهم بإحسان مِن أهل العلم والإيمان.
- قال الإمام القرطبي -رحمه الله-: "قال علماؤنا: الباعث على التوبة وحل الإصرار إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار، وما ذكره الله مِن تفاصيل الجنة وما وعد به المطيعين، وما وصفه مِن عذاب النار وتهدد به العاصين؛ فإن الإنسان لا يتفكر في وعد الله ووعيده إلا بتنبيهه... فإذا نظر العبد بتوفيق الله إلى نفسه فوجدها مشحونة بذنوب اكتسبها وسيئات اقترفها، وانبعث منه الندم على ما فرط، وترك مثل ما سبق مخافة عقوبة الله، صدق عليه أنه تائب؛ فإن لم يكن كذلك كان مصرًّا على المعصية وملازمًا لأسباب الهلكة" (تفسير القرطبي بتصرف يسير) .
- فإلى كل مَن عصى الله وأعرض عن هداه... أفما آن لكم أن تتوبوا إلى الله وتستغفرونه؟!
- إلى الذين يصدون عن سبيل الله ويطعنون في شريعته، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأحاديثه بالليل والنهار... أفما آن لكم أن تتوبوا إلى الله وتستغفرونه؟!
- إلى الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويحاربون العفة "والحجاب"... أفما آن لكم أن تتوبوا إلى الله وتستغفرونه؟!
- إلى الذين ألهتهم الملاهي وغرَّهم الغرور؛ فانشغلوا بكل تافهٍ ورخيصٍ عما فيه نجاتهم ومرضاة ربهم وسعادتهم في الدارين... أفما آن لكم أن تتوبوا إلى الله وتستغفرونه؟!
نسأل الله -جلَّ في علاه- أن يبلغنا رمضان وأن يبارك لنا فيه، وأن يرزقنا قبله توبة نصوحًا، وأن يمن علينا بالإخلاص في القول والعمل.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.