صلاحية الشريعة للتطبيق في كل زمان ومكان
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنتناول في هذا المقال قضية كثـُر الحديث عنها في الآونة الأخيرة، وهذه القضية هي السؤال الذي يطرحه البعض: هل الشريعة الإسلامية صالحة للتطبيق في هذا الزمان أم لا؟!
وهي قضية طفت على السطح، فمنذ أن بدأت تيارات التغريب مِن المستشرقين وتلامذتهم يعملون عملهم في عقول أبناء الأمة، ويشككون الأمة في صلاحية شريعتها للتطبيق ابتداءً أو -على الأقل- في هذا الزمان، والناس ما بين مُدرك لهذا الباطل منكرٍ له، وبين مقتنع، وبين مترددٍ، ومنهم الجاهل ومنهم المتأول، ولا نملك أمام هذا إلا أن نجادل بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نبيِّن مواطن الالتباس ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، متوكلين في ذلك على الله -عز وجل-، ومستندين إلى ما سطره علماؤنا.
ويمكننا تناول هذه القضية مِن خلال عدة أسئلة:
السؤال الأول: هل أوجب الله علينا أن نطبـِّق شريعته في كل عصر أم أن هذا الوجوب كان يختص بعصر دون الآخر؟!
السؤال الثاني: أننا في هذا العصر الحديث الذي "استحدثَ فيه الناس التكنولوجيا، وأنواع المعاملات المعقدة على مستوى الدولة وعلى مستوى الأفراد" هل سنجد حكمًا شرعيًّا لكل ما استجد في هذه الحياة؟
السؤال الثالث: هل إذا عدنا إلى الشريعة، وبحثنا فيها عن حكم لما استجد في حياة الناس؛ هل سيكون هذا الحكم مناسبًا لهذا العصر أم يكون منفصلاً عنه؟
والإجابة العقدية التي يجب أن يجيب بها المسلم على كل سؤال من الأسئلة السابقة هي: "نعم".
نعم، أوجب الله علينا أن نطبق شرعه في كل زمان ومكان.
ونعم، سنجد إجابة لكل ما استجد من الأمور.
ونعم، سيكون هذا الحكم مناسبًا لهذا العصر.
ومِن ثَمَّ سوف يتفرع على هذا، السؤال الرابع وهو: إذا كان ثمة واقع يخالف الشريعة قد طبق وتجذر، فهل تقدم لنا الشريعة حلاً للتعامل مع مثل هذه الأحوال؟
وهذا يقود إلى السؤال الخامس: ما هي الآلية التي تقدمها الشريعة لمعالجة الأخطاء التي يقع فيها الأفراد أو الفِرق سواء ما دون منها وما لم يدون؟
ورغم أننا قدَّمنا إجابة هذه الأسئلة مِن حيث الجملة أثناء طرحها؛ إلا أنه لا بد مِن شيء من التفصيل، ومناقشة الشبهات حول كل منها.
إجابة السؤال الأول:
س: هل أوجب الله علينا أن نطبـِّق شريعته في كل عصر أم أن هذا الوجوب كان يختص بعصر دون الآخر؟
ج: نعلم أن الله -عز وجل- قد بعث في كل أمة نذيرًا، وجعل رسالته محددة بزمان ومكان، ثم بعث الله -عز وجل- محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالشريعة الخاتمة، وخصها بعدة خصائص.
منها "وأهمها": أنها عامة زمانًا ومكانًا: قال الله -تعالى-: ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) (الفرقان:1) ، ثم وصفها الله -عز وجل- وصفًا لم يصف به غيرها مِن الشرائع، فقال: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ) (المائدة:3) ، وعن طارق بن شهاب قال: "قَالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ( اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا )" (متفق عليه) .
ثم إن الله -تعالى- قضى بأن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- هو خاتم المرسلين، فعلِمنا مِن مجموع ذلك أن شريعته واجبة، وأنها صارت شرعة كل مِن جاء بعده -صلى الله عليه وسلم-.
ولو نظرنا إلى المخالفين في هذه القضية: فسنجد أن مقتضى كلامهم أنهم يدَّعون أن الشريعة قد نُسخت! وهذه حقيقة أقوالهم نجليها لهم؛ ليتوبوا إلى الله منها، مع أننا في مقام إقامة الأحكام نطبِّق قاعدة أن: "لازم القول ليس بقول".
وأكثر هؤلاء جُرمًا مَن يدعي أن "القرآن" ذاته قابل للنقد! وهو قول قال به "طه حسين" وكفـَّره مِن أجله "علماء الأزهر" ثم تاب منه، ولكن أفراخ المستشرقين يحلو لهم أن ينشروا الباطل الذي تاب منه صاحبه، وأن يكتموا الحق الذي مات عليه.
ومنهم مَن يدَّعي "تاريخية النص القرآني!"، ويزعم أن كل آية مقيَّدة بسبب نزولها، ومِن هؤلاء: "حسن حنفي" صاحب كتاب "التراث والتجديد"، والذي ردَّ عليه "شيخ الأزهر" الشيخ "أحمد الطيب" -حفظه الله- في كتاب: "التراث والتجديد مناقشات وردود".
وحاصل كلام مَن يدعي تاريخية النص القرآني أن كل آية مِن القرآن نُسخت فور نزولها -والعياذ بالله!-.
وأما مَن يقول بأن الشريعة كانت صالحة لزمان نزولها، فحاصل قوله -أيضًا-: الادعاء بنسخ شريعة الإسلام؛ إلا أنهم يضربون أخماسًا في أسداس لو سئلوا عن النص الناسخ؟ وعن تاريخ هذا النسخ؟ وهل كان منذ قرن أم قرنين أم ماذا؟!
إجابة السؤال الثاني:
س: إننا في هذا العصر الحديث الذي استحدث فيه الناس التكنولوجيا وأنواع المعاملات المعقدة على مستوى الدولة وعلى مستوى الأفراد، هل سنجد حكمًا شرعيًا لكل ما استجد في هذه الحياة؟
ج: والكلام هنا على قضية الإيمان بالله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، والمسلم يعتقد أن الله حكيم لطيف خبير، ويعتقد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صادق في كل ما بلغه عنه، ومِن المحال أن يحيلك الله على مصدر ثم لا تجد بغيتك في هذا المصدر.
وهذه القضية ينبغي ألا تكون محل شك مِن المسلم بمقتضى عقيدته، ومِن ثَمَّ؛ فلا يجوز السؤال عنها مِن باب الشك، وإن جاز السؤال عنها مِن باب التعلُّم.
ونقول: إن البعض يطرح سؤالاً استشكاليًّا حول هذه القضية، وهو: كيف تكون الشريعة تقوم على عددٍ محدود من النصوص بينما يمكنها أن تشمل أحكامًا لمسائل لا تنتهي؟!
ومَن عَلِم القواعد الشرعية لبحث ما استجد مِن مسائل؛ لزالت مِن عنده هذه الشبهة؛ وذلك لأن الله -عز وجل- أنزل إلينا في الشرع نصوصًا نستخرج منها قواعد، مِن أهمها: "أن الأصل في المعاملات الإباحة"، و"أن الأصل في العبادات التحريم"؛ ما لم يكن هناك دليل ينقل عن هذا الأصل.