صلاحية الشريعة للتطبيق في كل زمان ومكان
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وعندما نبحث أو يستجد أي شيء من المعاملات أو من المخترعات "كاختراع وسائل المعلومات أو المواصلات"، فكل أمر من هذه الأمور لا بد أن نجد له حكمًا؛ لأن طريقة البحث تقول لك: "ابحث في قائمة المحرمات"؛ فإن وجدتَه فيها؛ فقل: "إنه محرم"، وإلا فقل: "إنه مباح"، وبهذه الصورة فلا يمكن أن نجد شيئًا لا حكم له.
وخريطة البحث بناءً على تفريعة: "إما، وإما"؛ فإما تجده ينطبق عليه نهي، وإما أن يكون مباحًا - هذا مِن رحمة الله بنا وتيسيره.
وأما قائمة المحرمات فيُبحث فيها مِن خلال ثلاث خطوات:
الأولى: هل هذا الشيء منهي عنه بذاته وبخصوصه؟ فإن لم يكن؛ نلجأ إلى الخطوة الثانية.
الثانية: هل هذا الشيء داخل في عموم منهي عنه؟ فإن لم يكن؛ نلجأ إلى الخطوة الثالثة.
الثالثة: هل يشترك هذا الشيء مع منهي عنه في علة النهي؟ فإن لم يكن؛ يكون هذا الشيء مباحًا.
ومِن هنا نعلم الحكمة الشرعية في استعمال الشرع لألفاظ العموم؛ وذلك لكي يكون هذا الشرع ثروة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وأن العموم واضح في النصوص التي وردت في غير سبب، بل وفيما نزل بسبب؛ كأن ينزل بلفظ عام يحمل بداخله إجابات عن أسئلة لم تنزل بعد.
ومع استعمال الشرع لألفاظ العموم علـَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- القياسَ للصحابة -رضي الله عنهم-، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحاول أن يجعل السائل يستنبط الإجابة عن طريق القياس، مع أنه في النهاية لم يكن محتاجًا للقياس، ولا وجود للقياس مع وجود النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الحكم لو أُخذ بالنص؛ فلا يجوز الأخذ بالقياس، وكان -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم الأمة القياس، فهذا عمر يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن القبلة للصائم، والإجابة أنها لا تبطل الصيام، وهذه إجابة مباشرة، ولكن هنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يعلمه العلة، وأن يعلمه القياس، فقال: ( أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ ) قَالَ: فَقُلْتُ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( فَفِيمَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
وقد يقول قائل: إن هذا الكلام حول العموم والخصوص، والقياس، والشروط إنما بدأ مع كتاب الإمام "الشافعي" -رحمه الله-.
والجواب: أنه لا بد مِن ملاحظة الفرق الكبير جدًّا بيْن وجود الأشياء وبين تدوينها، أو تنظيمها في قواعدَ، فعمرو بن العاص -رضي الله عنه- إذا ذُكِر، ذُكِر الجهاد والشجاعة، ولا نصنفه في علماء الصحابة، ومع هذا بعد إسلامه بثلاثة أشهر فقط أرسله النبي -صلى الله عليه وسلم- قائدًا لغزوة "ذات السلاسل"، والشاهد ليس في ذلك، وإنما "ذات السلاسل" كانت في وقت شديد البرد فوق الجبال؛ فأصابته جنابة فتيمم ثم صلى بأصحابه، فلما عادوا اشتكوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا عَمْرُو، صلىتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ ) قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الاغْتِسَالِ، وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) (النساء:29) ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- تبسم استحسانًا لفعل عمرو -رضي الله عنه-، مع أن التيمم في هذه اللحظة كان المنصوص عليه عند فقدان الماء فقط، ولكن الأمر أصبح مشروعًا بالنص بعد ذلك بفعل عمرو -رضي الله عنه- واستحسان النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن قبْل ذلك يعتبر فعل عمرو -رضي الله عنه- اجتهادًا ثم أقره النبي -صلى الله عليه وسلم-.
إجابة السؤال الثالث:
س: وهل إذا عدنا إلى الشريعة وبحثنا فيها عن حكم لما استجد في حياة الناس، هل سيكون هذا الحكم مناسِبًا لهذا العصر أم يكون منفصلاً عنه؟
ج: الإجابة العقدية -بعيد عن الجدل-: نعم، بلا شك، ولنتذكر مرة أخرى: أننا إذا كنا نعتقد أن الله عليم خبير، وأن الله أمرنا أن نعود في كل أمورنا إلى الشرع، والله -عز وجل- هو خالق كل شيء، وأنه -سبحانه- قد قدَّر أن في زمان ما ستكون أحوال الناس على حالة معينة، وأمرهم أن يعودوا إلى الشرع،؛ فلا بد أن يكون الحكم الشرعي الذي سيحصلون عليه مناسِبًا لأحوالهم.
ولكن البعض يقول: وما لنا لا نرى هذا؟! فنرى الدنيا كلها تقوم على الربا، والشرع يقول إن الربا محرم، ونرى البيوع تقوم على الغرر وغيرها مِن المعاملات المحرمة، والشرع ينهى عن ذلك!
فأقول: هذا لا يعني أنه لا يناسب هذا الزمان، وإنما هذا يؤدي إلى إحالة هذه الأمثلة على السؤال الرابع.
ذلك أن هذه الأحوال إنما نشأت مِن أن أهل هذا الزمان اُبتلوا بالنظرة المادية، ولوجود معظم المعاملات الراجعة إلى الربا والغرر والميسر، ونحوه مما يحقق بعض المصالح أحيانًا "ويسبب نزاعًا وشقاقًا وحزنًا وتباغضًا في كثير مِن الأحيان، وهذا واضح وظاهر لكل الناس" - لكن مِن ها هنا ظنَّ بعض الناس أن أحكام الشريعة لا تناسِب هذا الزمان، وهذا ناتج مِن أفكار وسلوكيات خاطئة انتشرت بيْن أهل هذا الزمان، ثم يستدلون بالمخالفة للشرع على عدم مناسبة الشرع، والأمر على العكس مِن ذلك تمامًا، ومِن مقاصد الشرع الحفاظ على الجانب الإنساني في الإنسان، ولا نقول إن تحريم الشرع للربا دليل على عدم صلاحيته لهذا الزمان، ولو افترضنا أن العالم إلى يومنا هذا لم يتورط في مكائد اليهود من اعتماد الربا كنظام اقتصادي، فماذا يقول الاقتصاديون؟ يقولون إن الاقتصاد الإسلامي يقوم على المشاركة وليس على الربح المضمون، إذن لا يمكن أن تحتج بشيوع الربا في هذا الزمان على أن تحريم الربا لا يناسب هذا الزمان، ولكن يمكنك أن تسأل السؤال الرابع.
إجابة السؤال الرابع:
س: إذا كان ثمة واقع يخالف الشريعة قد طـُبـِّق وتَجذر؛ فهل تقدِّم لنا الشريعة حلاً للتعامل مع مثل هذه الأحوال؟!