شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صلاحية الشريعة للتطبيق في كل زمان ومكان

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ج: وهذا السؤال والخوف مِن أن تكون الإجابة بأنه لا بد مِن نسف ذلك الواقع بين يوم وليلة، هو ما يدفع الكثير من المفكرين والساسة إلى تبني الأقوال المنحرفة التي تدعي أن الشريعة لا تصلح لهذا الزمان؛ وبالتالي فنحن نطمئن هؤلاء بأن الشريعة تتضمن القواعد التي تتعامل بها مع هذا الواقع، مثل: "التفرقة بين حال الاضطرار وحال الاختيار"، و"وجوب مراعاة المصالح والمفاسد"؛ كل هذا للتعامل مع الواقع المنحرف، والشرع يعطيك قاعدة عامة ذكرها الله -تبارك وتعالى- على لسان شعيب -عليه السلام-: ( إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) (هود:88) ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها-: ( لَوْلا حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ ) (رواه البخاري ومسلم) .

ومن هذا يُعلم أنه يجب الصبر على الواقع المنحرف على أن يكون اتجاه الحركة في الاتجاه الذي يؤدي إلى الإصلاح، ومَن راجع سيرة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يجد شيئًا في غاية الأهمية، وهو الإصلاح مِن قمة الهرم بعد الانحراف في بدايات حكم بني أمية، والإصلاح كان يديره الحاكم بنفسه، ومع ذلك نقول ما الذي فعله عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-، والذي جعل الأمة تثني عليه إلى الآن؟!

لقد غيَّر الاتجاه الذي كان يسير إلى مزيدٍ مِن الفساد ليعود تدريجيًّا إلى الصلاح، ولهذا فهو مِن مجددي هذه الأمة -رحمه الله-، والواجب إذا انتشر الفساد وتغلغل أن نضع خطة للإصلاح التدريجي.

وهنا يحدث خطآن خطيران:

الخطأ الأول: الدعوة إلى نسف الواقع بأكمله الذي يحدث فيه فساد ولو على جثث الناس... !

ولو على دمائهم... !

ولو على أعراضهم... !

فيترتب عليه سفك دماء، وضياع أمن، وانهيار اقتصادي، وينشأ بعدها مجال لا يسمح بسماع حق، ولا بعمل على الإصلاح، وهذا الخطأ موجود عند الكثيرين.

الخطأ الثاني: على الجانب الآخر نجد مَن يُشرعن الخطأ بأن يقول هذا من الشرع! أو هذا لا مانع منه، أو -على الأقل- يسكت ويدعو للسكوت عليه! فإذا رأيتَ في مجتمع مسلم التبرج -مثلاً- الذي شاع نتيجة مكر الليل والنهار، وسنوات مِن الشبهات والشهوات حتى استدرج كثيرًا من نساء الأمة إلى هذه المعصية، فمع حاجة المجتمع في هذه الحالة إلى دعوة وبيان وإرشاد؛ فإذا بمَن يقول لكَ: سوف تغضب الكثير مِن هؤلاء؛ فاسكت!

وكلا هذين المسلكين السابقين خطأ.

والصواب: أننا على المستوى العلمي والمنهجي والدعوي؛ لا بد أن نعلِّم كما علَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- السيدة عائشة -رضي الله عنها-، لا بد أن يَعلَم الناس الحق، وأن يدركوا مقدار الانحراف الذي بيْنهم وبين هذا الحق، وأن نأخذ طريقنا في الصلاح والإصلاح؛ فإن الشرع يعطي القواعد التي يمكنك أن تتعامل بها مع مجتمع مسلم فيه انحراف مهما بلغ، ويعطي القواعد التي يمكن أن تتعامل بها مع انحراف متجذرٍ، ومتأصل في المجتمع.

إجابة السؤال الخامس:

س: ما هي الآلية التي تقدمها الشريعة لمعالجة الأخطاء التي يقع فيها الأفراد أو الفِرق سواء ما دوِّن منها وما لم يدون؟

ج: في الأسئلة الأربعة السابقة هناك مَن يجيب بغير ما أجبنا، ويعالج الأمور بغير الحكمة المستفادة من كتاب الله ومن سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن هذه الأخطاء يجب أن تنسب إلى الأفراد أو الجماعات ولا تُنسب إلى مجموع التراث الإسلامي، ومجموع التراث ثروة هذه الأمة والجهود المباركة لعلمائها وقادتها من عصر الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ لا سيما وأن معظم هذه الأفكار غير مدون، ولكن سواء المدون منها أو غير المدون لا يلزم إلا أصحابه، ويجب التعامل مع الجميع بالقواعد الشرعية المقررة كما في قوله -تعالى-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) ، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وقول الإمام مالك -رحمه الله-: "كل يؤخذ مِن قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ويجب أن نوقن جميعًا بقوله -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) ، فدين الله محفوظ، ومَن عاد إلى مصادره الأصلية؛ استطاع -بفضل الله- أن ينقي التراث الإسلامي مما علق به مِن بدع أو انحرافات.

ومما يجمل التنبيه عليه: أن هذه الأخطاء تقل جدًّا كلما اقتربنا مِن عهد النبوة، وكلما كان اعتمادنا على فقه الأئمة الذين كَتب الله لهم لسان صدق في الأمة، وتزداد عند المتأخرين الذين تنكبوا لتراث الأمة، ورضعوا مِن الثقافة الغربية، أو أولئك الذين لجأوا للتراث؛ ليلووا عنقه، ويبرروا به غلوهم أو استعجالهم أو إغفالهم للسنن الشرعية والكونية!

نسأل الله -تعالى- أن يرينا الحق حقـًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

الصفحة السابقة