الأجوبة "الأزهرية السلفية" على أسئلة الامتحانات الأوقافية (1)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فأسوق هذه الفتاوى لكبار علماء الأزهر الشريف "ومنهم مَن شغل منصب شيخ الأزهر"، وذلك ردًّا على مَن أراد إيهام الناس أنها تمثـِّل منهجًا متشددًا يخالف منهج الأزهر!
سؤال: ما حكم الصلاة في المساجد التي فيها قبور؟
- جاء في "فتاوى دار الإفتاء المصرية": "كتبت وزارة الأوقاف ما يأتي: يوجد بوسط مسجد عز الدِّين أيبك قبران، وَرَدَ ذكرهما في الخطط التوفيقية، وتقام الشعائر أمامهما وخلفهما، وقد طلب رئيس خَدَم هذا المسجد دفنه في أحد هذين القبرين؛ لأن جدة الذي حدَّد بناء المسجد مدفون بأحدهما، فنرجو التفضل ببيان الحكم الشرعي في ذلك".
- فأجاب فضيلة العلامة المجتهد الشيخ "عبد المجيد سليم" -رحمه الله- مفتي الديار المصرية، قائلاً: "نفيد أنه قد أفتى شيخ الإسلام ابن تيميَّة بأنه "لا يجوز أن يُدْفَن في المسجد ميت، لا صغير ولا كبير، ولا جليل ولا غيره؛ فإن المساجد لا يجوز تشبيهها بالمقابر" (الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيميَّة 2/ 85) .
- وقال في فتوى أخرى: "إنه لا يجوز دفن ميت في مسجد، فإنْ كان المسجد قبل الدَّفن غُيِّر؛ إمَّا بتسوية القبر، وإمَّا بنَبْشِه إنْ كان جديدًا، إلخ" (الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام 2/ 80) ؛ وذلك لأنَّ الدَّفن في المسجد إخراج لجزء مِن المسجد عما جُعل له مِن صلاة المكتوبات وتوابعها مِن النَّفل والذِّكر وتدريس العلم، وذلك غير جائر شرعًا؛ ولأن اتخاذ قبر في المسجد على الوجه الوارد في السؤال يؤدي إلى الصلاة إلى هذا القبر أو عنده، وقد وردت أحاديث كثيرة دالة على حظر ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله- في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" ما نصُّه: "إن النصوص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد تواترت بالنهي عن الصلاة عند القبور مطلقًا، وعن اتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها" (اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 2/ 667) ، ومن الأحاديث ما رواه أبو مرثد الغنوي قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلا تُصَلُّوا إِلَيْهَا ) (أخرجه مسلم 972) .
وقال ابن القيم -رحمه الله- في "زاد المعاد": "نصَّ الإمام أحمد وغيره على أنه إذا دُفِن الميت في المسجد نُبِش" (زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية 3/ 572) .
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا: "لا يجتمع في دين الإسلام قبر ومسجد، بل أيُّهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق" (زاد المعاد لابن قيم الجوزية 3/ 572) .
وقال الإمام النووي -رحمه الله- في "شرح الـمُهذَّب" ما نصه: "اتفقت نصوص الشافعية والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر، سواء كان الميت مشهورًا بالصلاح أو غيره؛ لعموم الأحاديث. قال الشافعي والأصحاب: وتُكره الصلاة إلى القبور، سواء كان الميت صالحًا أو غيره. قال الحافظ أبو موسى: قال الإمام الزعفراني: ولا يصلَّى إلى قبر ولا عنده تبركًا به ولا إعظامًا له؛ للأحاديث" (المجموع شرح المهذب للنووي 5/ 316-317) .
وقد نص الحنفية على كراهة صلاة الجنازة في المسجد؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي المَسْجِدِ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وعلَّل صاحب الهداية هذه الكراهة بعلتين: إحداهما: أن المسجد بني لأداء المكتوبات، يعني وتوابعها من النوافل والذِّكر وتدريس العلم، وإذا كانت صلاة الجنازة في المسجد مكروهة للعلة المذكورة كراهة تحريم كما هو إحدى الروايتين، وهي التي اختارها العلامة قاسم وغيره؛ كان الدَّفن في المسجد أولى بالحظر؛ لأن الدفن في المسجد فيه إخراج الجزء المدفون فيه عما جعل له المسجد من صلاة المكتوبات وتوابعها، وهذا مما لا شَكَّ في عدم جوازه شرعًا. والله أعلم" (البناية شرح الهداية، للعيني 3/ 229-231) " (انتهى كلام العلامة عبد المجيد سليم) .
ترجمة المفتي: "هو الشيخ عبد المجيد سليم من مواليد عام (1882م)، محافظة البحيرة، تخرَّج في الأزهر الشريف عام (1908م)، حاملاً العالمية من الدرجة الأولى، وشغل وظائف التدريس، والقضاء، والإفتاء، ومشيخة الجامع الأزهر، ومكث في الإفتاء قرابة عشرين عامًا، وله من الفتاوى ما يربو على خمسة آلاف فتوى، وتولى مشيخة الأزهر مرتين، أُقِيل في أولاهما؛ لأنَّه نقدَ الملك، ثم استقال من المنصب في المرة الثانية في 17 سبتمبر 1952 م، وتوفي في صباح يوم الخميس (10 من صفر 1374هـ / 7 أكتوبر 1954م) .
حرمة الصلاة في المساجد ذات القبور:
- وُجِّه إلى فضيلة الإمام الأكبر محمود شلتوت -رحمه الله- سؤال مفاده: توجد في بعض المساجد أضرحة ومقابر، فما حكم إقامتها؟ وما حكم الصلاة إليها؟ والصلاة فيها؟
- فأجاب فضيلة الشيخ "محمود شلتوت" -شيخ الأزهر الشريف- قائلاً:
" تطهير بيوت العبادة: شُرعت الصلاة في الإسلام لتكون رباطًا بين العبد وربه، يقضي فيها بين يديه خاشعًا ضارعًا يناجيه، مستشعرًا عظمته، مستحضرًا جلاله، ملتمسًا عفوه ورضاه؛ فتسمو نفسه، وتزكو روحه، وترتفع همته عن ذل العبودية والخضوع لغير مولاه: ( إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (الفاتحة:5) ، وكان مِن لوازم ذلك الموقف، والمحافظة فيه على قلب المصلي أن يُخلص قلبه في الاتجاه إليه -سبحانه-، وأن يُحال بينه وبين مَشاهِد مِن شأنها أن تبعث في نفسه شيئًا مِن تعظيم غير الله؛ فيُصرف عن تعظيمه إلى تعظيم غيره، أو إلى إشراك غيره معه في التعظيم.