شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأجوبة "الأزهرية السلفية" على أسئلة الامتحانات الأوقافية (1)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ولذلك كان مِن أحكام الإسلام فيما يختص بأماكن العبادة تطهيرها من هذه المشاهد ( وعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (البقرة:125) ، ( وَإذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (الحج:26) ، ( إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ ولَمْ يَخْشَ إلاَّ اللَّهَ ) (التوبة:18) ، ( وأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) (الجن:18) .

- تسرب الشرك إلى العبادة: وما زَلّ العقل الإنساني وخرج عن فطرة التوحيد الخالص – فعبد غير الله، أو أشرك معه غيره في العبادة والتقديس – إلَّا عن طريق هذه المشاهِد التي اعتقد أنَّ لأربابها والثاوين فيها صلة خاصة بالله، بها يُقرِّبون إليه، وبها يشفعون عنده؛ فعظَّمها واتجه إليها واستغاث بها، وأخيرًا طافَ وتَعلَّق، وفعل بين يديها كل ما يفعله أمام الله مِن عبادة وتقديس.

- لا تتخذوا القبور مساجد: والإسلام مِن قواعده الإصلاحية أن يسد بين أهله ذرائع الفساد، وتطبيقًا لهذه القاعدة صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( أَلا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ ) (أخرجه مسلم 532) ، فنهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وشدد في النهي عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وذلك يصدُق بالصلاة "إليها"، والصلاة "فيها"، وأشار الرسول إلى أن ذلك كان سببًا في انحراف الأمم السابقة عن إخلاص العبادة لله، وقد قال العلماء: إنه لما كثُر المسلمون، وفكَّر أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- في توسيع مسجده، وامتدت الزيادة إلى أن دخلتْ فيه بيوت أمهات المؤمنين، وفيها حجرة عائشة -مدفن الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر- بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة تدور حوله مخافةَ أن تظهر القبور في المسجد فيصلي إليها الناس، ويقعوا في الفتنة والمحظور.

- واجب المسلمين نحو الأضرحة: وإذا كان الافتِتَان بالأنبياء والصالحين -كما نراه ونعلمه- شأن كثير مِن الناس في كل زمان ومكان، فإنه يجب -محافظةً على عقيدة المسلم- إخفاء الأضرحة مِن المساجد، وألا تُتَّخذ لها أبواب ونوافذ فيها، وبخاصة إذا كانت في جهة القبلة، فيجب أن تُفصَل عنها فصلاً تامًّا بحيث لا تقع أبصار المصلين عليها، ولا يتمكنون مِن استقبالها وهم بين يدي الله، ومِن باب أَوْلى يجب منع الصلاة في نفس الضريح، وإزالة المحاريب من الأضرحة.

وإن ما نراه في المساجد التي فيها الأضرحة، ونراه في نفس الأضرحة، لما يبعث في نفوس المؤمنين سرعة العمل في ذلك؛ وقاية لعقائد المسلمين وعباداتهم مِن مظاهر لا تتَّفِق وواجب الإخلاص في العقيدة والتوحيد، ومِن هُنا رأى العلماء أن الصلاة إلى القبر أيًّا كان مُحرَّمةٌ، ونهي عنها، واستظهر بعضهم بحكم النهي بطلانها؛ فليتنبه المسلمون إلى ذلك، وليسرع أولياء الأمر في البلاد الإسلامية إلى إخلاص المساجد لله كما قال الله: ( وأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) (الجن:18) " (انتهى كلام العلامة محمود شلتوت، الفتاوى للإمام الأكبر محمود شلتوت) .

ترجمة المفتي: "هو الشيخ محمود شلتوت من مواليد عام (1893م)، بقرية منية بني منصور بمحافظة البحيرة، وقد تولي مشيخة الأزهر عام (1958م)، وقد رحَّب بتوليه المشيخة العالم الإسلامي كله، تولى عدة مناصب منها عضوية هيئة كبار العلماء عام (194م)، وعضوية المجمع اللغوي عام (1946م)، وعضوية المؤتمر الإسلامي عام (1957م)، وعضوية مجلس الإذاعة عام (1950م)، ومشيخة الأزهر عام (1958م)، وتوفي في (13 ديسمبر 1963م).

تحريم إقامة الأضرحة وتشييد القبور:

تلقت لجنة الفتوى بالأزهر السؤال التالي: "دفن شخص بطابق علوي ودفن قبل والده بالطابق الأرضي من المقبرة، ويُراد نقل الأول إلى مقام شُيِّد له، وبالأرض رطوبة ضاربة بالجدران ظاهرة للعيان حتى إنَّ الجدران لا تُمسِك مواد البناء فيها (الأسمنت)، فهل من أئمة المسلمين من يجيز نقل الميت بعد دفنه؟".

فأجابت لجنة الفتوى بالأزهر:

"اطَّلَعت اللّجنة على هذا، وتفيد بأنه إذا كان الحال كما ذكر به؛ جاز نقل هذا الميت إلى مكان آخر، ولكن لا يجوز شرعًا نقله إلى ضريح أو قبة كما يصنعه بعض النَّاس لمن يعتقدون فيه الولاية والصلاح؛ فإن هذا نَهى عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن أبي الهياج الأسدي "حيان بن حصين" عن عليٍّ – رضي الله عنه – قال: "ألا أَبعَثُكَ على ما بعثني عليه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، ألا تدعَ تمثالاً إِلا طَمَستَه، ولا قبرًا مُشرِفًا إِلا سَوَّيتهُ" (أخرجه مسلم 969) ، وعن جابرٍ بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "نَهَى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُجَصَّص القَبرُ، وأن يُقعَدَ عليه، وأن يُبنَى عليه" (أخرجه مسلم 970) ، وفي رواية: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ يُجَصَّصَ أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ " (رواه النسائي، وصححه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية