شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المسألة الثانية: تكفير المسلم المعيَّن وموانع التكفير (1)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا يُكفـَّر مسلم مُعيَّن ثبت له حكم الإسلام إلا بعد بلوغ الحُجَّة التي يكفر المخالف لها، ونقلَ الإجماع على ذلك ابن حزم الظاهري، وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السُنَّة"، سواء أكان الخلاف في الأصول أم في الفروع، يعني في المسائل الاعتقادية أو المسائل العملية.

أولاً: شروط وموانع التكفير:

ونذكر هنا حديثين مُجْمَع على صحة معناهما، وهما كالأصل في هذا الباب:

الحديث الأول: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .

الحديث الثاني: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

فهذان الحديثان جَمَعَا ستة موانع، ومقابلها ستة شروط:

فمن الشروط مثلاً: "العلم، والبلوغ، والعقل، والقصد، والتذكُّر، والاختيار، وعدم التأويل".

ومن موانع التكفير: "الجهل الناشئ عن عدم البلاغ، والصغر، والجنون، والخطأ، والنسيان، والإكراه، والتأويل".

فلا يصح التسرُّع في تكفير الـمُعيَّن بالمرة، بل يمكن أن يُحكَم على مُعيَّن بالكفر والرِّدَّة بعد ثبوت إتيانه للكفر، وقيام الحجة، وانتفاء الشبهة كما بيَّنَّا.

وقد يكون في الشروط وانتفاء الموانع "اجتهاد واختلاف بين أهل العلم" ينبغي أن يكون مِن الخلاف السائغ، أما الحُكم العام -أي مِن جهة النوع- فلا ينبغي الاختلاف فيه أبدًا؛ لوضوح الحق بأدِلَّته، وإجماع أهل العلم عليه.

والذي يستطيع التعيين هم أهل العلم والقضاء الشرعي، كأن ينظر أهل العلم في شخص مُعيَّن، في شروط التكفير وانطباقها، وموانع الكفر وعدمها، وهل قامت الحُجَّة عليه أم لا؟ ثم بعد ذلك يحكمون بكفره ويُفتون بذلك، أو بعدم كفره، وكذا يحكم أهل القضاء بانفساخ نكاحه وعدم التوارث معه ووجوب قتله؛ فأهل العلم والقضاء هم الذين يُعيِّنون الشخص بالتكفير، أما عامة الناس فيتبعون أهل العلم في هذا الأمر.

ثانيًا: العُذر بالجهل:

والمقصود بالجهل المعذور فيه عند أهل العلم: "الجهل الناشئ عن عدم البلاغ" لا عن الإعراض عن الحجة البيِّنة كتابًا وسُنةً؛ فإن مَن بُيِّنت له الحجة التي يفهمها مثله مِن قِبَل أهل العلم، وأُزيلت شبهاته، فأصرَّ على شِركه؛ فهو ممن قال الله فيهم: ( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا ) (الأعراف:179) ، وقال -تعالى-: ( أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ ) (يونس:42) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ) (الأعراف:30) .

مِن الأدلة على العُذر بالجهل:

أولاً: الأدلة القرآنية:

1- قال الله -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (الإسراء:15) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "إخبار عن عدله -تعالى-، وأنه لا يُعذِّب أحد إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسل إليه".

وقال الشنقيطي -رحمه الله-: "ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله لا يُعذِّب أحدًا مِن خلقه حتى يبعث إليه رسولاً يُنذِره ويُحذِّره فيعصي ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار".

2- قال الله -تعالى-: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) (الأنعام:19) .

فمَن بَلَغه القرآن فهو المنذَر، ومَن لم يبلغه أو شيء منه؛ لم تقم عليه الحجة فيه.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "ولا يثبت الخطاب إلا بعد البلوغ؛ لقوله -تعالى-: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغْ )، وقوله: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً )، وقوله: ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )، ومثل هذا في القرآن متعدد، بيَّن -سبحانه- أنه لا يُعاقِب أحدًا حتى يبلغه ما جاء به الرسول، ولا يعذبه الله على ما لم يبلغه؛ فإنه إذا لم يُعذبه على ترك الإيمان إلا بعد بلوغ الحجة؛ فإنه لا يُعذبه على بعض شرائعه إلا بعد البلوغ".

3- قوله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (التوبة:115) .

4- قال -تعالى-: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ . قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) (الملك:8-9) .

والآيات في هذا المعنى كثيرة كلها تدل على أن العذاب إنما يكون بعد بلوغ الحجة والنذارة التي جاء بها رسل الله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-.

ومِن أدلة السـُّنة:

1- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (رواه مسلم) ؛ فمن لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، ومَن آمن به -صلى الله عليه وسلم-، ثم لم تبلغه بعض أخباره وأوامره؛ فهو معذور كذلك.

الصفحة التالية