المسألة الثانية: تكفير المسلم المعيَّن وموانع التكفير (1)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( كَانَ رَجُلٌ يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذرُّونِي فِي الرِّيحِ؛ فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا؛ فَلَمَّا مَاتَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الأَرْضَ فَقَالَ: اجْمَعِي مَا فِيكِ مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ اللهُ –عَزَّ وَجَلَّ-: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَشْيَتُكَ؛ فَغُفِرَ لَهُ ) (متفق عليه) .
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وكنتُ دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: "إذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم؛ فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذَّبه أحدًا مِن العالمين، ففعلوا به ذلك، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك؛ فغُفِرَ له"؛ فهذا رجلٌ شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفرٌ باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه؛ فغُفر له بذلك".
وقال -رحمه الله تعالى-: "كما ثبت في الصحاح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الرجل الذي قال: إذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم؛ فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذَّبه أحدًا مِن العالمين، ففعلوا به ذلك، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت. قال: خشيتك؛ فغُفِرَ له؛ فهذا الرجل اعتقد أن لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شكَّ، وأنه لا يبعثه؛ كل مِن هذين الاعتقادين كفر يكفر مَن قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله، وبأمره ونهيه، ووعده ووعيده؛ فخاف مِن عقابه؛ فغفر الله له بخشيته".
وقال ابن حزم -رحمه الله-: "وقد صحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن رجلاً لم يعمل خيرًا قط، فلما حضره الموت قال لأهله: إذا مت فأحرقوني ثم ذروا رمادي في يوم راح، نصفه في البحر ونصفه في البر، فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا لم يُعذِّبه أحدًا مِن خلقه، وإن الله -عز وجل- جمع رماده فأحياه، وسأله: ما حملك على ذلك؟ قال: خوفك يا رب، وإن الله -تعالى- غفر له لهذا القول.
قال أبو محمد -أي ابن حزم-: فهذا إنسان جهل -إلى أن مات- أن الله -عز وجل- يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له؛ لإقراره وخوفه وجهله، وقد قال بعض مَن يُحرِّف الكلم عن مواضعه أن معنى "لئن قدر الله عليَّ" إنما هو "لئن ضيَّق الله عليَّ" كما قال -تعالى-: ( وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رَزْقَهُ ) (الفجر:16) . قال أبو محمد: وهذا تأويل باطل لا يمكن؛ لأنه كان يكون معناه حينئذٍ: لئن ضيق الله عليَّ ليضيقن عليَّ؛ وأيضًا فلو كان هذا لما كان لأمره بأن يُحرق ويُذر رماده معنى، ولا شك في أنه إنما أمر بذلك لِيفلت مِن عذاب الله -تعالى-" (الفصل في الملل والأهواء والنحل) .
وقال -رحمه الله تعالى- عقب ذكر خير الليثيين: "وفي هذا الخبر عذر الجاهل، وأنه لا يخرج مِن الإسلام بما لو فعله العالم الذي قامت عليه الحجة لكان كافرًا؛ لأن هؤلاء الليثيين كذَّبوا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتكذيبه كفر مجرد بلا خلاف، لكنهم بجهلهم وأعرابيتهم عُذِروا بالجهالة؛ فلم يُكفَّروا" (المحلى) .
3- حديث عائشة -رضي الله عنها- عند مسلم في استغفار -صلى الله عليه وسلم- لأهل البقيع: قالت: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( نَعَمْ ).
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وهذا يدل أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالِم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة مِن أصول الإيمان" (مجموع الفتاوى) .
4- عن أبي واقد الليثي -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( سُبْحَانَ اللهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) (الأعراف:138) ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .