شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعليقـًا على رمي "البحيري" للأزهر بأنه يعيد محاكم التفتيش

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

"المنبهرون بالغرب يلصقون سوآته الحضارية بأمتنا وأزهرنا!"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبماذا عساك أن تصِف أناسًا مسلمين يشهدون "أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، ولكنهم لا يكادون يذكرون القرآن إلا ليضربوا به السنة لشبهات عندهم، ولا يكادون يذكرون السنة إلا ليزعموا أن جُلها "أو كلها" مِن أكاذيب الوضاعين؟!

وكأن وعد الله بحفظ الكتاب والسنة في قوله: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) ، قد ذهب هباءً منثورًا! وأن الأمة ظلت في غفلتها حتى بعث الله لها هؤلاء المجددين الذين لا ينطقون عن هوى أنفسهم، وإنما عن هوى أشياخهم مِن المستشرقين؟!

وماذا تقول عن رجل لا يذكر التاريخ الإسلامي إلا ممتعضًا؛ فهو يقلِب الحسنات سيئات، وأما السيئات فيراها بعدسة مكبرة مئات الآلاف من المرات، فلو قلت عنه إنه ينظر إلى تاريخ أمته بعين السخط وينظر إلى تاريخ الغرب بعين الرضا؛ لكنت قد قصرت في العبارتين؛ فلا تكفي كلمة "السخط" للتعبير عن لهيب لسانه الذي يجعلك في حيرة من شأن أُتون قلبه على أمته، في حين أن كلمة "الرضا" لا ترقى إلى وصف عشر ما عليه القوم من النظر إلى الغرب نظرة قزم في سفح جبل إلى عملاق على قمته!

عمومًا فإن مِن الدلائل العملية لقوله -تعالى-: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم:3-4) ، ومن دلائل نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم مِن علامات أن الأحاديث التي في "البخاري ومسلم" وغيرهما مِن كتب السنة - أن تلك الكتب قد نسبتْ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أمورًا مستقبلية حدثت كما هي تمامًا، ومن هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلا لا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الأَهْلِيِّ، وَلا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ، وَلا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

ولاحِظ وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- لهؤلاء على أرائكهم وقد ملأوا بطونهم ثم يطعنون على قوم جابوا الصحارى والقفار، وواصلوا الليل بالنهار ليحملوا إلينا سنة النبي المختار -صلى الله عليه وسلم- غضة طرية محفوظة بحفظ الله لها، ثم بجهود أبنائها.

وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- عنهم في حديث آخر يصف حالهم مع أمتهم أنهم ( مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا )، كما في حديث حذيفة -رضي الله عنه- الطويل وفيه قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: ( نَعَمْ )، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: ( نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ )، قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: ( قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِر ُ)، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: ( نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا )، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: ( نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا )، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: ( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ )، فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟ قَالَ: ( فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ) (متفق عليه) .

وهؤلاء في زماننا كثير... منهم الصحفي "إسلام البحيري" الذي تطاول على الدعاة؛ فأعرضنا عن إجابته، ثم اتبع طريقة الذي بال في ماء "زمزم" ليشتهر بيْن الناس ولو بالذم! فطعن في البخاري ومسلم وغيرهما مِن أئمة الحديث والفقه والتفسير.

كل هذا والقناة توفر له الحماية، وقد خاطبناها أكثر مِن مرة بأننا نطلب حق الرد، ولكن ليس مِن خلال هذا البرنامج حتى لا يكون هو خصمًا وحكمًا؛ فيعدون ولا يوفون، ويبدو أنه ظن أن الجميع يخاف مِن بحوثه "التي لا يذكر لها مرجعًا واحدًا"؛ فاستطال وطلب المناظرة على الهواء وسبَّ الأزهر، بل وزاد أنه توعد المخالفين بأنه "عايش لهم 30 سنة كمان"، وهذه الكلمة وحدها لمن يدري كافية في أن تقتنع أنه ليس ممن يُسمع له أو يرد عليه!

ولكن ولأن الناس يسمعون ويعودون بشبهاته إلى مَن يظنون بهم القدرة على الرد، وعلى رأسهم: "علماء الأزهر"؛ فقد قام "الأزهر" بدوره في التوضيح والبيان، ثم قرر أن يقوم بواجبه الدستوري المنوط به في دستور 2014م، وقدَّم شكوى لهيئة الاستثمار لوقف برنامج المذيع "إسلام البحيري"؛ وكان التعليق الرئيسي "للبحيري" أن "الأزهر" يعود بذلك إلى عصر محاكم التفتيش!

ولنا على موقف المذيع "إسلام البحيري" عدة ملاحظات:

الملاحظة الأولى: إذ اتهمت الأزهر بالعودة إلى "محاكم التفتيش"، أما أخبرتنا مَن الذي بدأها، أم أنك لا تجرؤ أن تتحدث عن الحضارة الغربية بسوء؟! وعمومًا فسوف نذكر تذكرة للعالم، وتعليمًا للجاهل، وإقامة للحجة على المعاند تاريخ تلك المحاكم على وجه الاختصار.

تاريخ محاكم التفتيش في أوروبا:

وإليك تعريفًا مختصرًا بتاريخها مستفاد مِن مقال: "الأصولية المسيحية في الغرب... محاكم التفتيش ذروة التعصب والعنف" للكاتب هاشم صالح.

الصفحة التالية