تعليقـًا على رمي "البحيري" للأزهر بأنه يعيد محاكم التفتيش
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
قال ما ملخصه: "يزعم الإعلام الغربي أن الحركات الأصولية المتطرفة هي حكر على العالم العربي والإسلامي فقط، لكن هذا الزعم ليس صحيحًا على الإطلاق، ويكفي أن نلقي نظرة على التاريخ القريب والبعيد لكي نتأكد من ذلك؛ فمحاكم التفتيش نشأت في أوروبا المسيحية منذ بداية القرن الثالث عشر واستمرت حتى القرن الثامن عشر، وبلغت ذروتها في إسبانيا الكاثوليكية المتشددة؛ حيث تم طرد المسلمين العرب حتى بعد أن اعتنقوا المسيحية وتخلوا عن دينهم تحت الضغط، ومحاربة المفكرين والعلماء استمرت أيضًا منذ ذلك الحين وحتى مشارف القرن العشرين، وقد أنشئت لجنة خاصة لتحريم الكتب في الفاتيكان، ومهمتها تكمن في ملاحقة الكتب الفلسفية أو العلمية التي يشتبه فيها أو بانحرافها عن العقيدة المسيحية الصارمة.
ويمكن القول إن هناك مرحلتين أساسيتين للأصولية المسيحية: مرحلة العصور الوسطى، ومرحلة العصور الحديثة. وسوف نفصل الكلام فيهما على التوالي:
العصور الوسطى ومحاكم التفتيش: أصبحت محاكم التفتيش -السيئة الذكر- مثلاً يضرب على ذروة التعصب وعدم التسامح.
وقد أنشئت في أوائل القرن الثالث عشر بقرار من البابا "غريفوار التاسع" وذلك عام 1233م، وكان هدفها محاربة الهرطقة في كل أنحاء العالم المسيحي، والمقصود بالهرطقة هنا أي انحراف -ولو بسيط- عن العقائد المسيحية الرسمية، وقد كلف بها رجال الدين في مختلف المحافظات والأمصار.
فكل واحد منهم كان مسئولاً عن ملاحقة المشبوهين في "أبرشيته"، وكانت الناس تساق سوقًا إلى محكمة التفتيش عن طريق الشبهة فقط، أو عن طريق وشاية أحد الجيران، فكانوا يعرضون المشبوه به للاستجواب حتى يعترف بذنبه، فإذا لم يعترف انتقلوا إلى مرحلة أعلى فهددوه بالتعذيب، وعندئذٍ كان الكثيرون ينهارون ويعترفون بذنبهم ويطلبون التوبة، وأحيانًا كانت تُعطى لهم ويُبرؤون، ولكن إذا شكوا أن توبتهم ليست صادقة عرضوهم للتعذيب الجسدي حتى ينهاروا كليًّا، وإذا أصر المُذنب على أفكاره ورفض التراجع عنها فإنهم يشعلون الخشب والنار ويرمونه في المحرقة، وقد قتل خلق كثير بهذه الطريقة الوحشية التي أصبحت علامة على العصور الوسطى.
وقد استخدمت محاكم التفتيش في إسبانيا ضد المسلمين فعندما استسلمت محكمة غرناطة "وهي آخر دولة إسلامية في إسبانيا" عام 1492م، وعدوا المسلمين بالسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية مقابل خضوعهم للسلطة الجديدة، ولكنهم سرعان ما نقضوا هذا الوعد وراحوا يلاحقونهم، ووضعتهم الملكة الشهيرة "إيزابيل" أمام خيارين لا ثالث لهما: إما اعتناق المسيحية، وإما الطرد من البلاد، وقد اضطر قسم كبير منهم لاعتناق الدين الغالب من أجل البقاء على قيد الحياة، ولكن مع ذلك ظلوا يلاحقونهم ويشتبهون فيهم بأنهم يمارسون شعائرهم الإسلامية سرًّا! واتهموهم بالزندقة وأشعلوا المحرقة لمعاقبتهم جسديًّا، ولكن حتى هذا الحل لم ينجح كليًّا في حل المشكلة الإسلامية في إسبانيا، فكان أن لجئوا إلى الطرد الجماعي، ففي عامي 1609م، 1610م، تم طرد ما لا يقل عن 275.000 شخص إلى البلدان الإسلامية المجاورة كالمغرب وتونس والجزائر، بل وبعض البلدان المسيحية الأخرى، وهكذا تم حل المشكلة عن طريق الاستئصال الراديكالي.
وقد أعيد استخدام ذات الأساليب في العصور الحديثة في مواجهة الحركة التي سميت بحركة الإصلاح الديني، ونتج عن هذه الأساليب حروب وانقسامات ما زال العالم يُعاني من توابعها حتى الآن" اهـ .
الملاحظة الثانية: هل فتش أحد في باطنك أم أن لسانك هو الذي يغرف مما في قلبك ويعرب عنه؟!
فمما سبق تعرف أن "محاكم التفتيش" تميزت بالقسوة والشدة، كما أنها سميت "محاكم تفتيش"؛ لكونها لا تقف عن حدود الاعترافات الظاهرة لعلمهم أن تغيير الأفكار والعقائد بالقوة يمكن أن يكون تقية، فكان مَن شكوا في صدق موافقته لما تقول المحكمة عذبوه حتى يعترف على نفسه بالضد ثم يقتلونه؛ وبالتالي "فالأزهر" طلب محاسبة "إسلام البحيري" على باطل قاله مرارًا وافتخر به ونافح عنه، فضلاً عن وصلات السب والقذف الذي يستعمله في إرهاب منتقديه "وعلى رأسهم الأزهر".
كما أن "الأزهر" لم يطلب أكثر مِن غلق برنامجه؛ لكونه مصدرًا للفتن ومهددًا للسلام الاجتماعي، لا سيما وأن القناة التي يقدِّم عليها البرنامج معروفة باستفزازها الدائم للأمة، كما حدث في إصرارها على عقد مسابقات رقص شرقي.
الملاحظة الثالثة: هل يُعتبر تصدي "الأزهر" لمثل هذا البرنامج عدوانًا على حرية الرأي فضلاً أن يكون إعادة لـ"محاكم التفتيش"؟!
نترك الإجابة على هذا السؤال للدكتور "طه حسين"، ولا أظن أن "البحيري" يجرؤ أن ينبس تجاهه ببنت شفة؛ فهو ليس "كالبخاري" الذي رفع الله ذكره في الأمة المصرية حتى جعلوا الخطأ في "البخاري" هو الخطأ الذي لا يُغتفر؛ فيقول القائل منهم إذا أراد أن يهوِّن مِن خطأ: "وهل أخطأنا في البخاري؟!"، وأما "البحيري" فلا يخطئ إلا في "البخاري" وأمثاله!
وعمومًا فإن الرد هو مِن كلام الدكتور "طه حسين" تعليقًا على فتنة أثارها البهائيون عندما تلاعبوا بآيات القرآن ليخرجوا منها دلالات على دينهم الباطل، فكتب الدكتور "طه حسين" في صحيفة "الوادي" الوفدية بتاريخ: (5-7-1934م) يقول تحت عنوان (فتنة): "إن فتنة أخرى يُراد لها أن تثور، وإن محنة أخرى يُراد لها أن تُفرض على بعض المصريين في هذا الصيف، كما ثارت في الصيف الماضي فتنة منكرة، وكما فرضت في الصيف الماضي محنة آثمة ما زال الناس في أعقابها إلى الآن (المبشرين).