شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعليقـًا على رمي "البحيري" للأزهر بأنه يعيد محاكم التفتيش

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

ولعلك قرأت ما نُشر في (الوادي) أمس مِن أنباء بورسعيد، جماعة من البهائيين ينشرون الدعوة لمذهبهم فيما يُقال، ويسلكون إلى ذلك طرقًا ملتوية ممجوجة، ليس فيها اعتداء على أعراض الناس، وليس فيها استقواء للأطفال، ولا إغراء للضعفاء -كفتنة المبشرين-، ولكن فيها عبثًا بالقرآن الكريم، ومسخًا لألفاظه المقدسة، وتحريفًا لكلمه الذي يجب أن يرتفع عن التحريف، فهم -فيما يُقال- يتلون قول الله -تعالى-: ( وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) (الزمر:69) ، ثم يزعمون أن الراء في "ربها" زائدة، ويتلون قوله -عز وجل-: ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف:180) ، فيفتحون أفواههم حين ينطقون بباء الجر ليُثبتوا أن القرآن قد بشَّر بالبهائية وأشار إليها.

فهذا العدوان -إن صح- يُنكره القانون، ويُعاقِب عليه؛ لأن إباحة الحرية للناس محدودة بأن تظل هذه الحرية بعيدة كل البعد عن أن تكون عدوانًا وطغيانًا وإهانة، وأي عدوان أو طغيان أو إهانة يشبه هذا العبث بنصوص القرآن فيما لا يحتمل تأويلاً ولا تعليلاً، ولا شبهة في أنه عبث منكر؛ فنحب أن نعلم مَن الذي أباح الإفساد للبهائيين الذين يفسدون في بورسعيد، وحرم السلام على المسلمين الذين يريدون الإصلاح في بورسعيد؟

ونحب أن نعلم: أين نصوص الدستور التي تبيح حرية الرأي والدعوة إليه للبهائيين، وتحظر حرية الرأي والدفاع عنه على المسلمين؟!

ونحب أن نعلم: أين نص القانون الذي يجعل الإسلام غريبًا في بلده، والذي يكلف دين الدولة عن أن يدافع عن نفسه بالمعروف، والذي يسلط رجال الدولة ليمنعوا رجال دين الدولة من أن يحموا الدين ويحوطوه؟

ليس لأحد من الناس منفعة في أن تثور بين الناس فتنة كالتي ثارت في العام الماضي، وليس ينبغي لدولة تزعم أن دينها الرسمي هو الإسلام أن تُصِر على الاعتداء على هذا الدين الرسمي، وألا تسمح لرجال هذا الدين بالزود عنه والقيام من دونه" (اهـ. نقلاً مِن كتاب "طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام" للدكتور محمد عمارة، هدية مجلة الأزهر لشهر ذي القعدة 1435هـ) .

أخيرًا "وبعيدًا عن إيقاف البرنامج مِن عدمه" ننتظر منكم جميعًا توبة كتلك التي وقعت من الدكتور "طه حسين!".

قد يستغرب "البحيري" وغيره! "بل وكثير مِن القراء" هذا الموقف مِن الدكتور "طه حسين"، والذي ينادي فيه بضرورة قيام علماء الدين بدورهم في منع انتشار الباطل، ولكن الدكتور "محمد عمارة" بيَّن في كتابه: "طه حسين مِن الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام" أن آخر ما استقر عليه "طه حسين" بعد أن زالت عنه سكرة الانبهار بالغرب، العودة تحت مظلة الحضارة الإسلامية ينتمي لها، ويعتز بها وينافح عنها.

وفي هذا يقول الدكتور "محمد عمارة" في مقدمة كتابه هذا: "كثيرون هم الكُتّاب والمفكرون الذين أثاروا الجدل حول ما قدَّموه مِن أفكار، لكن طه حسين (1307 - 1393هـ 1880 - 1973م) كاد أن ينفرد بأن كل حياته الفكرية -التي جاوزت نصف قرن- قد كانت بكاملها معركة فكرية شديدة الإثارة للجدل العنيف حول ما قدَّم الرجل مِن أفكار وآراء! بل إن الكثير من أفكاره وآرائه لا تزال مثيرة للجدل حتى بعد انتقاله إلى رحاب مولاه!

ولقد كُتبت حول طه حسين -الأديب والناقد والمربي والمفكر- عشرات الكتب وآلاف الدراسات والمقالات... لكن ورغم كثرة هذه الدراسات، ظلت هناك ظاهرة غريبة -وربما فريدة- في هذه الدراسات؛ فالكثير من الذين تعصبوا لآراء طه حسين، وقدموا أنفسهم باعتبارهم تلاميذه الأوفياء قد وقفوا عند أفكاره التي مثـَّلت مرحلة انبهاره بالنموذج الحضاري الغربي، وتبشيره بهذا النموذج الحضاري، وسعيه لإلحاق العقل الشرقي بالعقل الغربي... فلا تجدوا أحدًا من هؤلاء (المريدين) إلا ويتغنى بما كتب طه حسين في هذه المرحلة من مراحل فكره، وخاصة كتابه (في الشعر الجاهلي) سنة 1926م -الذي مثـَّل قمة مجازفاته الكفرية وعدوانه على عدد من عقائد ومقدسات الإسلام- وكذلك كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) سنة 1938م، الذي مثـَّل قمة محاولاته لإلحاق الشرق الإسلامي بالنموذج الحضاري الغربي، وإلزام أُمتنا أن تسير مسيرة الغرب العلماني في الإدارة والحكم والتشريع، وأن تتقبل هذا النموذج الحضاري الغربي كله، حلوه ومره، خيره وشره، ما يُحب منه وما يُكره، وما يُحمد منه وما يُعاب!

أي أن هؤلاء (المريدين - الدراويش) في (طريقة) طه حسين لم يروا مِن فكر هذا الرجل إلا ما كتبه في مرحلة انبهاره بالغرب، التي كان فيها شبه (درويش - ومريد) للعقل الإغريقي والروماني، والفرنسي الحديث، حتى لقد عميتْ أبصارهم وحُجبت بصائرهم وعقولهم عن التطورات الفكرية التي طرأت على فكر الرجل وآرائه وإبداعاته، والتي باعدت بينه وبين أفكار هذا الانبهار!

وإذا كان هذا الموقف من (دراويش) طه حسين و(مريديه) والمتعصبين له غريبًا وعجيبًا... فإن الأكثر في الغرابة والعجب أن يكون هذا هو ذات الموقف الذي اتخذه من طه حسين أشد خصومه وأكبر ناقديه! فلقد وقفوا -هم أيضًا- عند أفكاره التي قدمها إبان مرحلة انبهاره بالنموذج الحضاري الغربي، وركزوا جلَّ هجماتهم على ذات الكتب التي تعلق بها (مريدوه)، وفي المقدمة كتاب (في الشعر الجاهلي)، وكتاب (مستقبل الثقافة في مصر)، حتى لقد أخرجوا الرجل من الملة الدينية والملة الحضارية بعد رحيله عن عالمنا دون أن يبصروا التطور الفكري الذي تجسد في إبداعات فكرية ناقضت مناقضة شديدة وحادة ما قدَّمه الرجل في مرحلة الانبهار!".

ونحن ننتظر مِن "البحيري" وأمثاله أن يتأسوا بأكابرهم الذين تراجعوا عن هذا الباطل، فإن فعلوا؛ وإلا فليعلم الجمهور أن هذه المسالك المعوجة رجع كثير مِن كبارها وقادتها إلى الحق، وإلى الثقافة الإسلامية؛ فلا تشغلن نفسك بتشغيبات تلك البرامج.

والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

الصفحة السابقة