شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعليقًا على مقال: "الثورة في فكر علماء الأمة... الإمام الجويني أنموذجًا"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذا تعليق مختصر على مقال: "الثورة في فكر علماء الأمة... الإمام الجويني أنموذجًا"، ونبدأ بذكر ملخص للمقال، ثم نعلِّق على ما نراه مستحقًا للتعليق عليه.

ويمكننا أن نلخِّص العناصر الرئيسية للمقال المذكور في النقاط الآتية:

1- الفوضى الخلاقة اختيار شرعي يمكن السعي إليه عندما يكون الوضع القائم أسوأ من الوضع المتوقع من هذه الفوضى.

2- أن عامة الحركات الإسلامية مستغرقة في مفاسد الفوضى، وذاهلة عن أنها قد تكون أفضل من الوضع القائم، وأن طرد القياس على مسألة "الترس" لا يستقيم.

3- نسبة هذه القاعدة إلى الإمام "الجويني" -رحمه الله- فيما نقله عنه من كتابه "الغياثي" من قوله: " وترك الناس سدى ملتطمين مقتحمين لا جامع لهم على الحق والباطل، أجدى عليهم مِن تقريرهم اتباع مَن هو عون الظالمين، وملاذ الغاشين، وموئل الهاجمين، ومعتصم المارقين الناجمين ".

4- ونسب الكاتب إلى "الجويني" -رحمه الله- تأصيل الفكرة "وليس مجرد الإشارة إليها!"، فقال: "وقد أوضح الإمام الجويني هذا الاختيار إيضاحًا تامًّا في كتابه الغياثي!".

5- تساءل الكاتب سؤالاً وهو: لماذا قال "الجويني" بأن عدم وجود إمام خير من هذا الإمام المستغرق في الفساد؟! ثم أضاف متسائلاً: ولماذا لم يقل الإمام الجويني بعزل الإمام وتنصيب إمام صالح؟ وما هو الفرق بين الفوضى البناءة وتنصيب الإمام الصالح؟!

ثم تطوع بالإجابة قائلاً: "فنقول: إن عملية الفساد المنظم هي فساد نظام كامل، وليس فساد إمام فقط، ومعلوم أن الجويني -رحمه الله تعالى- يعي ذلك تمامًا، ويعلم صعوبة عزل الإمام المتمكن، ولكنه يرى أهمية إثارة المجتمع بكل طوائفه، وهذا فيه تقليل المفاسد وتقليل الدماء!".

6- وبناءً على ذلك؛ فقد رأى الكاتب أن يعرض كتاب "الغياثي" على أنه مِن أوله إلى آخره شرح لإدارة الفوضى معتبرًا أن حالة غياب الإمام، لكن مع وجود أمير ذي نجدة وكفاية، وغيرها من الأحوال التي درسها "الجويني" - أنها صور مختلفة للفوضى!

7- لخص الكاتب مباحث كتاب "الغياثي" فقال: "وقد تعرض الإمام لدرجات من الفوضى وكيفية علاجها، وبيَّن أن درجات الفوضى هي:

1- غياب الإمام، وانتقال الولاية للأمراء.

2- غياب الأمراء، وانتقال الولاية للعلماء.

3- غياب العلماء والأمراء، وانتقال الولاية لجماعة المسلمين وأهل الرأي والعقلاء من المسلمين".

ثم أضاف: "وقد رأينا أن نضيف إلى درجات الإمام "الجويني" الدرجة الرابعة المعاصرة، وسنتكلم عنها على هدي ما ذكره "الجويني" في الحالات الثلاث الأولى، وبما يناسبها -إن شاء الله تعالى-، وهي: "الحالة التي نعيشها الآن"، وهي عدم وعي أهل الرأي والعقلاء بدورهم ومسئولياتهم تجاه الأمة، وعدم معرفة المكلفين بدورهم تجاه كبرائهم من العقلاء".

ثم فصَّل حال هذه الدرجة الرابعة بقوله: "الدرجة الرابعة من الفوضى: فقدان أهل الرأي -عدم وعي أهل الرأي والعقلاء بدورهم ومسئولياتهم-: وهذه الدرجة تعني فقدان الكبراء وأهل الرأي لدورهم، والجهل بما يجب عليهم تجاه أمتهم، وجهل العامة بما يجب عليهم تجاه كبرائهم كما في عصرنا هذا، فيجب على العقلاء المدركين للأمر "وهم قلة، وليس لهم أي دعم أو مكانة في المجتمع، بل والحركات الإسلامية لا تعترف بهم!" أن يعملوا جاهدين على إزالة الجهل، ونشر العلم بالفوضى ودورهم فيها، وأهمية ذلك، وكيف يمكن للمسلمين علاج هذه الأزمة، وما هو دور أهل الرأي والحجى في ذلك، وما هو الخطاب التكليفي الموجَّه لهم في تحمل مسئولياتهم في إقامة فروض الكفايات بما يليق باحتياجات الأمة، ويليق بإعادة مجدها.

ولابد من خطاب علمي تعليمي للأمة والأفراد يبين لهم ما يجب عليهم في هذه الأزمة، من وجوب الالتفاف حول أهل الرأي والحجى ومبايعتهم، والسمع والطاعة لهم، والالتزام برؤيتهم في حماية المصالح الإسلامية، وإنجاز فروض الكفايات، وأداء الأموال التي هي حق للإمام إلى أهل الرأي، فإن قوام الدولة بالرجال والأموال ، كما قال الجويني -رحمه الله تعالى-.

وينبغي العمل على إيجاد أهل الاجتهاد في الإيالات -كما قال الإمام الجويني-، وإيجاد أهل الكفاية من العلماء وأهل الرأي والعقلاء كما اصطلح على ذلك "الجويني"، ولنعلم أن الإمام الجويني قد قسَّم العلماء إلى أهل دراية وكفاية، وعلماء ليسوا من أهل الدراية أو الكفاية، وأن الأولين يصلحون للولاية والقيادة، والآخرون يجب عليهم تقديم أهل الكفاية، وهم لهم وزراء ومستشارون ". (انتهى، ولن أعلِّق على هذه الفقرة في التعليق مكتفيًا بتلك الخطوط التي وضعتها تحت بعض العبارات) .

8- كان نقل الكاتب عن "الجويني" نقلاً حرفيًّا، لكنه عادة ما يضع تفسيرات خاصة به لكلام الجويني بين قوسين، وفي أحد المواطن ذكر كلامًا للجويني بالمعنى بصيغة توهم أنها بالحرف، وذلك في قوله: "قال صاحب الغياثي -رحمه الله تعالى-: إن الفوضى أفضل من الإمام الذي يعمل نقيض الإمامة!"، مع أن هذا النقل بالمعنى كما يتضح بالرجوع إلى الكتاب، وهو يعني به النقل الذي ذكره أولاً.

وقد أشار الكاتب في الهامش إلى أن "الجويني" قد ذكر الفوضى مرة باللفظ الصريح، وبعد ذلك بالوصف، ومِن ثَمَّ فقد توسع الكاتب في الزج بكلمة الفوضى بديلة عن أوصاف كثيرة ذكرها "الجويني".

ويؤخذ على الكاتب في ذلك أن "الجويني" -رحمه الله- عندما ذكر لفظ: "الفوضى" ذكره في سياق الذم؛ معللاً لوجوب نصب الأئمة باستحالة ترك الناس فوضى!

فنرى أن في الاستعاضة عن أوصاف أخرى ذكرها في سياق أنها "أهون الشرين" بلفظ "الفوضى" توسعًا من الكاتب لتدعيم ما يظنه مِن أن "الجويني" يدعو إلى "الفوضى الخلاقة!".

ويبقى في النهاية أن هذه العبارة التي توسع الكاتب في الاستناد عليها لفظًا ومعنى قد شرحها "الجويني" بما لا يجعلها محتملة للنظرية التي حمَّلها لها! كما سنبين في التعليق -إن شاء الله-.

التعليق:

الصفحة التالية