تعليقًا على مقال: "الثورة في فكر علماء الأمة... الإمام الجويني أنموذجًا"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
1- أنْ يطلِق الكاتب وصفَ "إدارة الفوضى" على كل المسائل التي بحثها "الجويني"؛ فهذا أمر من الممكن أن يُقال فيه: "لا مشاحة في الاصطلاح"، ولكن أن يكون هذا في سياق إثبات أن "الجويني" قد عالج "الثورة" عمومًا و"الفوضى الخلاقة" خصوصًا في كتاب "الغياثي" - فأمر غير سديد؛ لا سيما وأن "الجويني" لم يستعمل كلمة "فوضى" في هذا السياق -وإن استعملها في غيره- في حين أنه استعمل لفظ: "ثورة" في عين هذه المسألة ناهيًا عنها حتى مع وجود مثل ذلك الحاكم الذي قال فيه ما قال، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله- "وليس المقصود هنا التعرض لبيان حكم المسألة، ولكن المقصود تحقيق نسبة الكلام للإمام الجويني".
2- إن الكاتب حينما مال إلى اعتبار كل مسائل كتاب الغياثي مندرجة تحت عنوان "الفوضى" انشغل باختصار أجزاء مفيدة من الكتاب، ولكنه ترك القارئ دون أن يذكر له شيئًا ذا بال في أمر "الفوضى الخلاقة"؛ فلا ذكر شيئًا في هذا الباب منسوبًا إلى الجويني، ولا حتى ذكر لنا هو شيئًا سوى تقرير المبدأ، فلم يحدثنا عن الحالة التي نختار فيها هذه الفوضى؟ وكيف ستكون فوضى شاملة ثم تنتهي بفوضى خلاقة؟ كما أشار عَرَضًا في حديثه؛ فإذا ضممت هذا إلى محاولته لهز قاعدة "المصالح والمفاسد"، مع أن كلام "الجويني" مبني عليها حتى في تلك المسألة كما سنبين - تبيَّن لنا خطورة هذا الكلام، وما يمكن أن يؤدي إليه من فوضى!
3- فات الكاتب في السؤال الذي طرحه: "لماذا لم يقل الإمام الجويني بعزل الإمام وتنصيب إمام صالح؟!" أن الجويني تحدث عن حالات: "أولها: نصب الإمام الصالح"، وأظن أنه لو تمعَّن في الفقرات التي تتحدث عن هذا؛ لطوى صفحة هذا المقال من الأساس.
4- وسوف نستعرض بحث "الجويني" -رحمه الله- في هذه المسألة كاملاً؛ لتتضح الصورة، وأن الجويني لم يحض قط على فوضى نسعى إليها، وإنما وصف الحاكم المتمادي في فسقه بما حاصله أن عدمه خير من وجوده، ولكن لإدراكه أن هذا العدم "المادي" لن يحصل؛ فقد بيَّن أن الواجب عزله وإقامة عدل مكانه "خلافًا لما توهمه الكاتب!"، فإن لم يكن فنهى العامة صراحة عن "الثورة" عليه، وإن كان لازم قوله أنه يعتبر منصب الإمامة والإمارة حينئذٍ شاغرًا، ومِن ثَمَّ فالواجب أن يرجع الناس في المهمات إلى علمائهم، وهو في ذلك لم ينصح قط بشيء مما سماه الكاتب بـ"الفوضى الخلاقة!".
وهذا استعراض لخلاصة بحث الجويني في المسألة:
حكم الإمام الفاسق من كتاب "الغياثي"
تعرض الإمام "الجويني" -رحمه الله- إلى شروط الإمامة، وأثر انخرام كل منها، وما يعد منها غير مؤثر في استمرار الإمامة رغم اشتراطه في بدايتها، وما يترتب عليه انخلاع الإمام تلقائيًّا، وما يوجب على أهل الحل والعقد أن يسعوا في خلعه مع بقاء إمامته طالما لم يتم منهم هذا الخلع، ثم تعرض للفسق: وهل يوجب الخلع أم الانخلاع؟ مرجحًا أنه لا يوجب هذا ولا ذاك، وأن القول بغير ذلك فيه إهدار لمنصب الإمامة.
ثم بيَّن أن هذا كله ما لم يتواصل منه العصيان فقال: "وَهَذَا كُلُّهُ -حَرَسَ اللَّهُ مَوْلانَا- فِي نَوَادِرِ الْفُسُوقِ، فَأَمَّا إِذَا تَوَاصَلَ مِنْهُ الْعِصْيَانُ، وَفَشَا مِنْهُ الْعُدْوَانُ، وَظَهَرَ الْفَسَادُ، وَزَالَ السَّدَادُ، وَتَعَطَّلَتِ الْحُقُوقُ وَالْحُدُودُ، وَارْتَفَعَتِ الصِّيَانَةُ، وَوَضَحَتِ الْخِيَانَةُ، وَاسْتَجْرَأَ الظَّلَمَةُ، وَلَمْ يَجِدِ الْمَظْلُومُ مُنْتَصِفًا مِمَّنْ ظَلَمَهُ، وَتَدَاعَى الْخَلَلُ وَالْخَطَلُ إِلَى عَظَائِمِ الأُمُورِ، وَتَعْطِيلِ الثُّغُورِ، فَلابُدَّ مِنِ اسْتِدْرَاكِ هَذَا الأَمْرِ الْمُتَفَاقِمِ عَلَى مَا سَنُقَرِّرُ الْقَوْلَ فِيهِ عَلَى الْفَاهِمِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ-، وَذَلِكَ أَنَّ الإِمَامَةَ إِنَّمَا تُعْنَى لِنَقِيضِ هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِذَا أَفْضَى الأَمْرُ إِلَى خِلافِ مَا تَقْتَضِيهِ الزَّعَامَةُ وَالإِيَالَةُ؛ فَيَجِبُ اسْتِدْرَاكُهُ لا مَحَالَةَ، وَتَرْكُ النَّاسِ سُدًى، مُلْتَطِمِينَ لا جَامِعَ لَهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَجْدَى عَلَيْهِمْ مِنْ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِ مَنْ هُوَ عَوْنُ الظَّالِمِينَ، وَمَلاذُ الْغَاشِمِينَ، وَمَوْئِلُ الْهَاجِمِينَ، وَمُعْتَصَمُ الْمَارِقِينَ النَّاجِمِينَ ".
وهذه الجملة الأخيرة هي التي تمسك بها الكاتب في دعوى أن "الجويني" ينادي بـ"الفوضى الخلاقة"؛ ذاهلاً عن أن وصف "الجويني" لهذا الحاكم بذلك الوصف لم يمنعه من ذكر قواعد في التعامل معه " مبناها على رفض خيار الفوضى "، وليس على الحض عليه.
وهذا متضح في الفقرات التالية لتلك الفقرة حيث قال بعد كلامٍ في تقرير ما سبق: " فَأَقُولُ: إِنْ عَسُرَ الْقَبْضُ عَلَى يَدِهِ الْمُمْتَدَّةِ لاسْتِظْهَارِهِ بِالشَّوْكَةِ الْعَتِيدَةِ، وَالْعُدَدِ الْمُعَدَّةِ، فَقَدْ شَغَرَ الزَّمَانُ عَنِ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ، وَدُفِعَ إِلَى مُصَابَرَةِ الْمِحَنِ طَبَقَاتُ الْخَلْقِ ".
ثم بين الحل العملي في هذه الحالة بقوله: "فَأَقُولُ: إِنْ تَيَسَّرَ نَصْبُ إِمَامٍ مُسْتَجْمِعٍ لِلْخِصَالِ الْمَرْضِيَّةِ، وَالْخِلالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي رِعَايَةِ الرَّعِيَّةِ، تَعَيَّنَ الْبِدَارُ إِلَى اخْتِيَارِهِ، فَإِذَا انْعَقَدَتْ لَهُ الإِمَامَةُ، وَاتَّسَقَتْ لَهُ الطَّاعَةُ عَلَى الاسْتِقَامَةِ، فَهُوَ إِذْ ذَاكَ يَدْرَأُ مَنْ كَانَ، وَقَدْ بَانَ الآنَ أَنَّ تَقْدِيمَ دَرْئِهِ فِي مُهِمَّاتِ أُمُورِهِ، فَإِنْ أَذْعَنَ، فَذَاكَ، وَإِنْ تَأَبَّى عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الطُّغَاةِ، وَقَابَلَهُ مُقَابَلَةَ الْبُغَاةِ".
ومِن هذا السياق يتضح احتياط الإمام "الجويني" -رحمه الله- من "الفوضى"؛ حتى إنه قدَّم مبايعة الجديد، وأنه هو مَن يتولى عزل الفاسق، وهذا يعني أنه رغم وجود "أهل الحل والعقد" الذين سوف يولون الجديد؛ إلا أنه لم يطرح عزل الأول إلا مِن خلال إمام جديد مبايَع.