تعليقًا على مقال: "الثورة في فكر علماء الأمة... الإمام الجويني أنموذجًا"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ثم ذكر مؤكدًا أن هذه التصرفات كلها نابعة من الموازنة بين المصالح والمفاسد، فقال: "وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لا يَتَأَتَّى نَصْبُ إِمَامٍ دُونَ اقْتِحَامِ دَاهِيَةٍ وَإِرَاقَةِ دِمَاءٍ، وَمُصَادَمَةِ أَحْوَالٍ جَمَّةِ الأَهْوَالِ، وَإِهْلاكِ أَنْفُسٍ وَنَزْفِ أَمْوَالٍ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَاسَ مَا النَّاسُ مَدْفُوعُونَ إِلَيْهِ مُبْتَلُونَ بِهِ بِمَا يُفْرَضُ وُقُوعُهُ فِي مُحَاوَلَةِ دَفْعِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ النَّاجِزُ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَدَّرُ وُقُوعُهُ فِي رَوْمِ الدَّفْعِ، فَيَجِبُ احْتِمَالُ الْمُتَوَقَّعِ لَهُ لِدَفْعِ الْبَلاءِ النَّاجِزِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَقَبُ الْمُتَطَلَّعُ يَزِيدُ فِي ظَاهِرِ الظُّنُونِ إِلَى مَا الْخَلْقُ مَدْفُوعُونَ إِلَيْهِ؛ فَلا يُسَوَّغُ التَّشَاغُلُ بِالدَّفْعِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ الاسْتِمْرَارُ عَلَى الأَمْرِ الْوَاقِعِ، وَقَدْ يُقَدِّمُ الإِمَامُ مُهِمًّا، وَيُؤَخِّرُ آخَرَ. وَالابْتِهَالُ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ وَلِيُّ الْكِفَايَةِ".
والملاحظ أنه حتى تلك اللحظة يتحدث عن وجود بديل صالح، وأهل حل وعقد قادرين على توليته، وإن كان قد فَرَض في هذه الفقرة الأخيرة أن الإمام الفاسق لديه شوكة هو الآخر يستطيع أن يقاوم بها شوكة أهل الحل والعقد، وبيَّن أن المرجح بين الصبر على تلك الحال وبين السعي إلى نصب إمام جديد هو الموازنة بين المصالح والمفاسد.
ثم انتقل إلى مسألة في غاية الأهمية "وهي بيت القصيد" فقال: "وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِإِتْمَامِ الْغَرَضِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَصَدِّيَ لِلإِمَامَةِ إِذَا عَظُمَتْ جِنَايَتُهُ، وَكَثُرَتْ عَادِيَتُهُ، وَفَشَا احْتِكَامُهُ وَاهْتِضَامُهُ، وَبَدَتْ فَضَحَاتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَثَرَاتُهُ، وَخِيفَ بِسَبَبِهِ ضَيَاعُ الْبَيْضَةِ، وَتَبَدُّدُ دَعَائِمِ الإِسْلامِ، وَلَمْ نَجِدْ مَنْ نُنَصِّبُهُ لِلإِمَامَةِ حَتَّى يَنْتَهِضَ لِدَفْعِهِ حَسْبَ مَا يَدْفَعُ الْبُغَاةَ، فَلا نُطْلِقُ لِلآحَادِ فِي أَطْرَافِ الْبِلادِ أَنْ يَثُورُوا ; فَإِنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لاصْطُلِمُوا وَأُبِيرُوا، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي ازْدِيَادِ الْمِحَنِ، وَإِثَارَةِ الْفِتَنِ، وَلَكِنْ إِنِ اتَّفَقَ رَجُلٌ مُطَاعٌ ذُو أَتْبَاعٍ وَأَشْيَاعٍ، وَيَقُومُ مُحْتَسِبًا، آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَانْتَصَبَ بِكِفَايَةِ الْمُسْلِمِينَ مَا دُفِعُوا إِلَيْهِ، فَلْيَمْضِ فِي ذَلِكَ قُدُمًا وَاللَّهُ نَصِيرُهُ، عَلَى الشَّرْطِ الْمُقَدَّمِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، وَالنَّظَرِ فِي الْمَنَاجِحِ، وَمُوَازَنَةِ مَا يُدْفَعُ، وَيَرْتَفِعُ بِمَا يُتَوَقَّعُ".
وبهذا يتبين أن "الجويني" لم يقل بما يُسمى: بـ"الفوضى الخلاقة"، وإنما قال بوجوب السعي إلى عزل الفاسق التمادي في فسقه، ونصب عدل مكانه؛ وإلا فأمر بالصبر حتى يقضي الله ما يشاء، وقد صرَّح بأنه يعتبر هذه حالة شغور الزمان عن إمام، وهي الحال التي تعرض لها لاحقًا وبيَّن فيها أن على الأمة أن تتبع علماءها.