شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تكفير المسلم المُعيَّن والعذر بالجهل (3)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فاستكمالاً لما كنا قد بدأناه في المقالين السابقين مِن ذكر نُقولٍ عن أهل العلم حول تكفير المسلم المُعيَّن والعُذر بالجهل؛ فهذا جواب لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-عن سؤال ورد إليه، وهو: "ما تقول السادة العلماء أئمة الدين -رضي الله عنهم أجمعين- في قوم يُعظِّمون المشايخ بكون أنهم يستغيثون بهم في الشدائد، ويتضرعون إليهم، ويزورون قبورهم، ويُقبِّلونها، ويتباركون بترابها، ويُوقدون المصابيح طول الليل، ويتخذون لها مواسمَ يقدمون عليها مِن البُعد، يُسمُّونها ليلة الـمَحْيَا؛ فيجعلونها كالعيد عندهم، وينذرون لها النذور، ويُصلون عندها.... ؟".

فقال شيخ الإسلام -رحمه الله- في معرض جوابه: "الحمد لله رب العالمين، مَن استغاث بميت أو غائب مِن البشر بحيث يدعوه في الشدائد والكربات، ويطلب منه قضاء الحوائج، فيقول: يا سيدي الشيخ فلان، أنا في حسبك وجوارك، أو يقول عند هجوم العدو عليه: ياسيدي فلان! يستوحيه ويستغيث به؟ أو يقول ذلك عند مرضه وفقره، وغير ذلك من حاجاته - فإن هذا ضال جاهل مُشرِك، عاصٍ لله باتفاق المسلمين، فإنهم متفقون على أن الميت لا يُدعى ولا يُطلب منه شيء، سواء كان نبيًّا أو شيخًا أو غير ذلك...

وهذا الشرك إذا قامت على الإنسان الحجة فيه ولم ينتهِ؛ وجب قتله كقتل أمثاله من المشركين، ولم يُدفن في مقابر المسلمين، ولم يُصلَّ عليه، وأما إذا كان جاهلاً لم يبلغه العلم، ولم يعرف حقيقة الشرك الذي قاتل عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- المشركين؛ فإنه لا يُحكم بكفره، ولا سِيَّما وقد كثر هذا الشرك في المنتسبين إلى الإسلام، ومَن اعتقد مثل هذا قربة وطاعة؛ فإنه ضالٌّ باتفاق المسلمين، وهو بعد قيام الحجة كافر، والواجب على المسلمين عمومًا وعلى ولاة الأمور خصوصًا النهي عن هذه الأمور، والزجر عنها بكل طريق، وعقوبة مَن لم ينتهِ عن ذلك العقوبة الشرعية، والله أعلم".

وقال -رحمه الله تعالى-: "ومنهم مَن يطلب مِن الميت ما يطلب مِن الله، فيقول: اغفر لي، وارزقني وانصرني، ونحو ذلك؛ كما يقول المصلي في صلاته لله -تعالى-، إلى أمثال هذه الأمور التي لا يشك مَن عرف دين الإسلام أنها مخالفة لدين المرسلين أجمعين؛ فإنها مِن الشرك الذي حرمه الله ورسوله، بل مِن الشرك الذي قاتل عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- المشركين، وأن أصحابها إن كانوا يُعذرون بالجهل، وأن الحجة لم تقم عليهم، كما يُعذر مَن لم يُبعث إليه رسول، كما قال الله -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (الإسراء:15) ".

وقال: "كذلك مَن دعا غير الله وحجَّ إلى غير الله؛ هو أيضًا مشرك، والذي فعله كفر، لكن قد يكون عالـمًا بأن هذا شرك محرم، كما أن كثيرًا من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم، وعندهم أصنام لهم، صغار مِن لبد وغيره، وهم يتقربون إليها ويعظمونها، ولا يعلمون أن ذلك محرم في دين الإسلام، ويتقربون إلى النار أيضًا، ولا يعلمون أن ذلك محرم؛ فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض مَن دخل في الإسلام، ولا يعلم أنه شرك؛ فهذا ضال، وعمله الذي أشرك فيه باطل، لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة، قال -تعالى-: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة:22) ".

وقال -رحمه الله-: "والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفرًا كمقالات الجهمية الذين قالوا إن الله لا يتكلم، ولا يُرى في الآخرة! ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيُطلق القول بتكفير القائل كما قال السلف: مَن قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومَن قال إن الله لا يُرى في الآخرة فهو كافر، ولا يُكفَّر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة" اهـ .

وقال -رحمه الله-: "ففي الجملة الأجر هو على اتباعه الحق بحسب اجتهاده؛ ولو كان في الباطن حق يناقضه هو أولى بالاتباع لو قَدَر على معرفته؛ لكن لم يقدر فهذا كالمجتهدين في جهات الكعبة، وكذلك كل مَن عبد عبادة نُهي عنها ولم يعلم بالنهي -لكن هي مِن جنس المأمور به- مثل مَن صلى في أوقات النهي وبلغه الأمر العام بالصلاة، ولم يبلغه النهي أو تمسك بدليل خاص مرجوح مثل صلاة جماعة من السلف ركعتين بعد العصر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاهما، ومثل صلاة رُويت فيها أحاديث ضعيفة أو موضوعة كألفية نصف شعبان، وأول رجب، وصلاة التسبيح، كما جوَّزها ابن المبارك وغير ذلك، فإنها إذا دخلت في عموم استحباب الصلاة، ولم يبلغه ما يُوجب النهي أثيب على ذلك، وإن كان فيها نهي مِن وجه لم يعلم بكونها بدعة تتخذ شعارًا ويجتمع عليها كل عام، فهو مثل أن يُحدِث صلاة سادسة؛ ولهذا لو أراد أن يصلي مثل هذه الصلاة بلا حديث لم يكن له ذلك، لكن لما روي الحديث اعتقد أنه صحيح؛ فغلط في ذلك، فهذا يُغفر له خطأه، ويُثاب على جنس المشروع.

وكذلك مَن صام يوم العيد ولم يعلم بالنهي، بخلاف ما لم يُشرع جنسه مثل الشرك؛ فإن هذا لا ثواب فيه، وإن كان الله لا يُعاقِب صاحبه إلا بعد بلوغ الرسالة، كما قال الله -تعالى-: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (الإسراء:15) ، لكنه وإن كان لا يُعذب فإن هذا لا يُثاب، بل هذا كما قال الله -تعالى-: ( وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) (الفرقان:23) . قال ابن المبارك: هي الأعمال التي عُمِلت لغير الله. وقال مجاهد: هي الأعمال التي لم تُقبل.

الصفحة التالية