شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تكفير المسلم المُعيَّن والعذر بالجهل (3)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وقال -تعالى-: ( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) (إبراهيم:18) ، فهؤلاء أعمالهم باطلة لا ثواب فيها، وإذا نهاهم الرسول عنها فلم ينتهوا عوقبوا؛ فالعقاب عليها مشروط بتبليغ الرسول، وأما بطلانها في نفسها؛ فلأنها غير مأمور بها، فكل عبادة غير مأمور بها فلا بد أن يُنهى عنها، ثم إن علم أنها منهي عنها وفعلها استحق العقاب، فإن لم يعلم لم يستحق العقاب، وإن اعتقد أنها مأمور بها، وكانت مِن جنس المشروع فإنه يُثاب عليها، وإن كانت مِن جنس الشرك فهذا جنس ليس فيه شيء مأمور به، لكن قد يحسب بعض الناس في بعض أنواعه أنه مأمور به، وهذا لا يكون مجتهدًا؛ لأن المجتهد لا بد أن يتبع دليلاً شرعيًّا، وهذه لا يكون عليها دليل شرعي، لكن قد يفعلها باجتهاد مثله: وهو تقليده لمن فعل ذلك مِن الشيوخ والعلماء، والذين فعلوا ذلك قد فعلوه لأنهم رأوه ينفع، أو لحديث كذب سمعوه؛ فهؤلاء إذا لم تقم عليهم الحجة بالنهي لا يُعذبون، وأما الثواب فإنه قد يكون ثوابهم أنهم أرجح مِن أهل جنسهم، وأما الثواب والتقرُّب إلى الله فلا يكون بمثل هذه الأعمال".

وقال -رحمه الله-: "وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها؛ قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده أو لم يتمكن مِن فعلها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها؛ فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية؛ هذا الذي عليه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها.

فأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول، وبين نوع آخر وتسميته مسائل الفروع؛ فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه مَن ذكره من الفقهاء في كتبهم".

وقال -رحمه الله- عن طوائف من أهل البدع كالخوارج وغيرهم: "وأما تكفيرهم وتخليدهم؛ ففيه أيضًا للعلماء قولان مشهوران: وهما روايتان عن أحمد، والقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم، والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يُعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي مِن جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضًا.

وقد ذكرتُ دلائل ذلك في غير هذا الموضع؛ لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه؛ فإنا نطلق القول لنصوص الوعد والوعيد، والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله في ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضَى الذي لا معارض له، وقد بسطت هذه القاعدة في قاعدة التكفير؛ ولهذا لم يحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- بكفر الذي قال: "إذا مت فأحرقوني ثم ذروني في اليم؛ فوالله لئن قدر الله عليَّ ليُعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين" مع شكه في قدرة الله وإعادته؛ ولهذا لا يكفـِّر العلماء مَن استحل شيئًا مِن المحرمات لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته ببادية بعيده؛ فإن حكم الكفر لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، وكثير مِن هؤلاء قد لا يكون قد بلغته النصوص المخالفة لما يراه، ولا يعلم أن الرسول بعث بذلك؛ فيطلق أن هذا القول كفر، ويكفر متى قامت عليه الحجة التى يكفر تاركها دون غيره، والله أعلم".

وقال -رحمه الله-: "والتكفير هو من الوعيد؛ فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يُكفَّر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها -وإن كان مخطئًا-، وكنتُ دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: "إذا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم؛ فوالله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذابًا ما عذَّبه أحدًا مِن العالمين، ففعلوا به ذلك، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك؛ فغُفِرَ له"؛ فهذا رجلٌ شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفرٌ باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه؛ فغُفر له بذلك".

وقال -رحمه الله- في الرد على البكري: "ولهذا أقول للجهمية مِن الحلولية والنفاة الذين ينفون أن يكون الله -تعالى- فوق العرش: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جُهُّال!" اهـ .

وبهذه النُقول الواضحة عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وفي مسائل مِن أصول العقيدة، وفي توحيد الألوهية والأسماء والصفات، تعرف خطأ مَن قال: إن العذر بالجهل مقصور على المسائل التي قد تخفى، مثل: مسائل المعاملات، وبعض شئون الصلاة، وكذلك مَن يجعل الناس في مجاهل أفريقيا -ونحوها ممن دخل في الإسلام وأتى بشيء مِن هذه الشركيات- معذورًا؛ بمعنى أن حُكمه حُكم "أهل الفترة" الذين يُمتَحَنُون في القيامة! فالظاهر، بل المنصوص عليه مِن كلام أهل العلم التفرقة بيْن مَن دخل في الإسلام، وصدَّق الرسول إجمالاً، وبين مَن لم يدخل فيه أصلاً ممن لم تبلغه الدعوة؛ فالأول عنده أصل الإيمان، والثاني كافر معذور لعدم بلوغ الرسالة، وقد أوضحنا أن خفاء هذه الأمور وظهورها نسبي.

ولا نقصد بأن هذا الأمر نسبي أن كل الأمور كذلك؛ بل هناك ما يَقطع كل أحد بانتشاره بين المسلمين، والذي لا تقبل دعوى الجهل فيه إلا بقرينة -كما أوضحنا-؛ فمن كان ناشئًا اليوم في بلادنا ثم جحد وجوب الصلاة مثلاً، أو قال عن أحكام الإسلام إنها مِن نفايات القرون الوسطى الوحشية، أو قال بحِل الزنا، والخمر؛ فلا شك في رِدَّته مِن ساعته؛ لأن الحجة بمثل ذلك قائمة على كل أحد.

الصفحة السابقة