شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مسئولية الأسير!

عصام حسنين • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن أفضل مقامات التعبد لله -تعالى-: "مقام الدعوة إلى الله".

وتبليغ سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الأمة أفضل مِن تبليغ السهام إلى نحور العدو كما قال ابن القيم -رحمه الله-، والقائمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم نوابه -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه على الحقيقة كما قال الله -تعالى-: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (يوسف:108) ، وقال: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (آل عمران:110) ، وقال: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (فصلت:33) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ) (رواه البخاري) .

والواجب على المسلمين أن يقوموا بهذا الفرض الكفائي؛ وإلا أثِم كل قادر، فإن لم يقم به الحاكم؛ لزم على جماعة المسلمين أن يتجمعوا ويتناصروا من أجل إقامة الدين والدعوة إلى الخير، ويتخذوا في سبيل التبليغ كل وسيلة مشروعة.

ويجب عليهم أن يراعوا قواعد وضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومراعاة المصالح والمفاسد، والقدرة والعجز، وأن يرجعوا إلى علمائهم ليتعرفوا على طبيعة المرحلة التي تمر بها الدعوة وما يلزمها من فقه.

وربما تمر الدعوة بمرحلة استضعاف فتكون العبودية الواجبة: الصبر، وكف الأيدي، واحتمال الأذى مع الاستمرار في الدعوة والتزام إصلاح النفس ومعاملة الناس معاملة حسنة بالأخلاق والآداب الشرعية.

وربما يصل الاستضعاف بأهل الدعوة إلى أن يهتم الإنسان بنفسه صابرًا محتسبًا حتى يمر، ولا يتلبس بحماقة قد تؤخر الدعوة سنوات طويلة وتفقده ثقة الناس وحبهم الذين هم رأس ماله الذين أمر بدعوتهم وتحبيب الله إليهم وتحبيبهم في الله.

ويجب أن يُعلم أن من أعظم التمكين للمؤمنين: تمكين الله لعباده المؤمنين من تبليغ الدعوة بوسائلها المختلفة، فليحافظ عليها الدعاة والعلماء، وليحذروا أن يكونوا سببًا في منع هذا التبليغ بتصرفات طائشة غير منضبطة بالقواعد الشرعية، وليُعلم أيضًا أن العمل السياسي المشروط من وسائل الدعوة إلى الله -تعالى-، ولا يغني عن أصل التبليغ، ولا نضيع الأصل من أجل الفرع!

ومما أعجبني جدًّا كلام للأستاذ "محمود عبد الحليم" -رحمه الله- في هذا المنوال، وهو كلام علمي دقيق أرجو أن يستفيد منه الدعاة والشباب المتحمس من الإخوان وغير الإخوان... فبعد خروج قيادات الإخوان من معتقل 54 كانوا يُلاحَقون في كل مكان حتى سُلبوا حرية التحرك حتى في شئونهم الخاصة.

ويحكي لنا الأستاذ "محمود" حال الإخوان بالخارج فيقول: "مجموعة من الإخوة الكرام كانوا في خلال هذه الفترة في حيرة من أمرهم، فهم يرون حكومة لا ترعى للإسلام حرمة ولا كرامة، ولا تبالي باقتراف أضعاف سيئات العهد الملكي من الإباحية والتهتك تقتحم بها على الناس بيوتهم عن طريق وسائل الإعلام، وتشيع الفاحشة في المجتمع بتشجيعها المتفحشين ومطاردتها أصحاب الفضائل والمتدينين... ويرون الحال لا يزداد كل يوم إلا سوءًا، ولا يرون مع ذلك أحدًا يقف في وجهها أو يرفع صوتًا بمعارضتها!

وكان أكثر هؤلاء الإخوة من الشباب الغض الذي كان في أوائل الخمسينيات لا يزال نبتًا ثم ترعرع واستوي في أواخر الخمسينيات وفتح عينيه على الصورة التي أومأتُ إليها، فهاله ما رأى، وذهب يتلمس الطريق... كما أن قليلاً منهم كانوا من الإخوة الأكبر سنًّا والذين حجبتهم ظروف أقرب إلى الصدفة عن أعين الظالمين فنجوا من ظلمهم... وسار هؤلاء في ثورة نفسية يبحثون عن قيادة ترشدهم إلى الطريق الأقوم لإصلاح هذا الفساد فلا يجدون؛ لأن القيادات تعيش وراء القضبان حتى مَن كان منهم في مظهره خارج القضبان كان مضروبًا عليه الحصار من كل جانب.

أما الذين كانوا لا يزالون وراء القضبان؛ فقد التمس هؤلاء الإخوة لهم العذر، وأما الذين كان مضروبًا عليهم الحصار -وهو حصار في الخفاء-؛ فلم يلتمس لهم هؤلاء الإخوة العذر وحمَّلوهم المسئولية كاملة، وطالبوهم بقيادتهم إلى ميدان العمل.

جاءني نفر من هؤلاء الإخوة، وبثوني ما في صدورهم من حرج، وما في نفوسهم من ضيق، وطالبوني بعمل إيجابي، فقلت لهم: إن الذي بين حنايا ضلوعكم من ألم ولوعة وحزن هو بعض ما عندي؛ لأنكم غاضبون وليس في أيديكم قيود، ولا في أرجلكم أصفاد، بدليل أنكم جئتموني وتتحركون كما تشاءون، أما أنا وأمثالي فنحس ما تحسون، ولكن الأغلال جعلت في أيدينا وأرجلنا، وإذا كنتم لا ترون السور المضروب من حولنا فإننا نراه محيطًا بنا، والسجانون يلاحقوننا في كل مكان وفي كل وقت، وكانوا في السجن الحربي بملبسهم العسكري ظاهرين، ولكنهم هنا بالملابس العادية غير معروفين، إننا أسرى معركة، والأسير غير مطالَب بما يطالب به الجندي الحر، وقد أعفاه الله وأعفته القوانين؛ لأن أمره لم يعد بيده، بل صار بيد آسريه.

فقالوا: إذن نقعد ونستكين، ويستمر الظالمون في ظلمهم، ولا يجد الشعب المسكين من ينقذه!

قلتُ: إنني لم أنهكم عن العمل، ولم آمركم بالاستكانة، فالمسلم مطالب بالعمل في كل الظروف، ولكن في حدود استطاعته... وأدنى درجات العمل أن يعكف المسلم على القرآن عكوفًا يربط قلبه به ويأخذ نفسه وذويه بأحكامه وآدابه، وأن ينشر مبادئ هذا الكتاب الكريم، وهي ما سماه الناس مبادئ الإخوان المسلمين عن طريق القدوة، وهي أقرب طريق إلى قلوب الناس... وهذا هو القدر المطالب به أسرى المعارك من أمثالنا، وليس في هذا القدر من العمل ما يمت إلى الاستكانة بسبب، فالقلب العاكف على القرآن لا تبرحه الحياة، ولا تجتمع الحيوية والاستكانة في قلب؛ فإحداهما تطرد الأخرى.

الصفحة التالية