شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مسئولية الأسير!

عصام حسنين • المنهج السلفي

والتاريخ يحدثنا وهو صادق، والتاريخ ليس إلا سنة الله في خلقه... يحدثنا أن الدنيا دول: ( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) (آل عمران:140) ، فدولة تدوم إلى الأبد أمر محال، تبدأ الدولة بدءًا صالحًا ثم يدب الغرور في نفوس حكامها فيظلمون فتدول دولتهم ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ) (الكهف:59) .

والذي يكاد يدخل اليأس إلى نفوسكم أنكم تظنون أن هزيمة هؤلاء الظالمين لابد أن تكون بأيديكم وإلا فلا أمل في الإنقاذ، وهذا الظن يبين خطؤه حين ترجعون إلى صفحات التاريخ، وليكن تاريخ أمتنا، فسترون بني أمية قد انتزعوا السلطة من بني هاشم، ودانت لهم الدنيا من أدناها إلى أدناها، وظل يُهتف لهم بالدعاء على منابر الدولة الإسلامية مائة عام، فتكوا في خلالها بكل من رفع رأسه من بني هاشم، فقتلوا الحسين بن علي -رضي الله عنهما- كما أعملوا القتل في أنصاره، وقضوا على عبد الله بن الزبير ومن كان معه، ولم يعد في جزيرة العرب ولا في خارجها مَن لا يدين لهم بالولاء.

فظنوا أنهم قد استأصلوا شأفة منافسيهم وقضوا عليهم إلى الأبد... وطابت لهم الحياة، واستقرت الدولة، وباتوا آمنين، ولكن بعد مائة عام قام من بني هاشم -الذين استؤصلوا- من انتزع السلطة منهم وشتت شملهم، وأسس الدولة العباسية التي تتبعت الأمويين تتبعًا اعتقدوا معه أنهم لن يبقوا لهم في الدنيا على أثر.

وتوطد الأمر لبني العباس، ولكنهم مع ذلك لم يستطيعوا أن يخضعوا الأيام لإرادتهم، فما لبث الأمويون -الذين أبيدوا في ظنهم- أن أنشأوا دولة في الأندلس تضارع دولة العباسيين، وظلوا يحكمونها سبعة قرون، وإذا كانت السنة ذات الثلاثمائة والستين يومًا في حياتنا زمنًا ذا بال، فإن عشرات السنين في حياة الأمم وفي حركات التاريخ لا تعد زمنًا يذكر، وأصحاب الدعوات الذين يريدون أن يلووا عنق الزمان لا يلبثون أن تدكدكهم الأيام بأقدامها الثقال!

أما الذين يفهمون التاريخ فإنهم يخطون بخطى وئيدة ثابتة، لا يدعون يومًا يمر دون أن يملئوه بعمل يناسبه، لا يحاولون أن يثبوا عليه وثبًا، يفعلون ذلك وهم واثقون من أن الغد غدهم، وأن اليوم الذين يأملون أن يأتي سوف يأتي، ولكنه قد يكون من أيام حياتهم وقد يكون من حياة جيل يأتي بعدهم، وسنة الله لا تتخلف.

إنني واثق كل الثقة أن دعوتنا التي حيكت لها المؤامرات، ودبرت لها المكايد، وحوصرت من كل مكان، وعمل الحاقدون الظالمون على إطفاء جذوتها واستئصال شأفتها - ستنتصر آخر الأمر، وستعود لها الكلمة العليا والصوت الأعلى والصدى المستجاب، ولكن كيف يتم ذلك ومتى يتم؟ هذا هو ما لا أعلم، وهذا هو ما استأثر به علم الغيب.

نعم، إن الظروف التي نعيشها الآن لا توحي بذلك، ولا تسلمنا إلا إلى اليأس، ولكن الله -تعالى شأنه، وجلت قدرته- صاحب هذه الدعوة أخبرنا أنه: ( وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) (النحل:8) ، الذي يخلق فيما يخلق ما لا نعلم، وما لا يدور في خلدنا، وما لا يدخل في حساباتنا ولا في حسابات أعدائنا من الظروف والأحوال... وهذا النوع من الظروف التي تعجز الحسابات البشرية عن الإحاطة به هو الذي يفاجأ به الطغاة، وتدول من هوله الدول، ومجرد إيماننا بالله وبدعوتنا يطرد كل خاطرة من خواطر اليأس من نفوسنا، ويملؤها بالثقة المطلقة بحيث يكون يقيننا بنصر الله كيقيننا بوجوده -سبحانه-.

وإذا كان الإنسان يلجأ إلى عقله ومواهبه في استغلال الظروف، فإنه عاجز عن أن يخلق الظروف؛ لأنه هو نفسه ليس إلا بعض هذه الظروف التي تفرد الخلاق العليم بخلقها، وإذا كنا نقول ذلك ونؤمن به ونثق في تحقيقه، فلسنا نقوله كما يقوله الموتى القاعدون، الذي آثروا متع الحياة وتمنوا على الله الأماني، وإنما نقوله الآن بعد أن قدَّمنا لدعوتنا كل ما في وسعنا، فمنا من قضى نحبه، ومنا من ينتظر، ولكن الكَرَّة كانت هذه المرة علينا لا لنا؛ فوقعنا في أسر العدو... وليس أمامنا الآن إلا أحد الأمرين، إما أن نقدم أعناقنا لمقاصلهم دون مقابل، وإما أن ننتظر وعد الله -تعالى- وما سوف يخلق من ظروف، واثقين في وعده، آملين في نصره: ( وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ) (التوبة:52) .

وتحضرني الآن صورة المسلمين في المدينة، وقد بوغتوا بما لا قِبَل لهم به من قدوم جميع قبائل الجزيرة العربية حيث ضربوا حصارًا خانقًا حول المدينة في تحالف سوى بينهم وبين يهود المدينة، وما عاد هناك ما يمنعهم من أن يمسكوا المسلمين بالأيدي دون أن يجد واحد منهم لنفسه مهربًا... ورأى المسلمون الموقف على هذه الصورة فماذا فعلوا؟ إنهم فعلوا ما في طاقتهم، وتركوا ما فوق طاقتهم للقدرة الإلهية.

كل الذي فعلوه أنهم حفروا الخندق حول المدينة ولجأوا إلى حيلة قصمت عرى التحالف المعقود بين العرب واليهود، ولم يكن في استطاعتهم أن يفعلوا أكثر من ذلك... ولكن هل كان الذي استطاعوا أن يفعلوه كافيًا لرد هذا البحر المتلاطم من قبائل العرب؟!

لا، ولا هذه يقولها كل مَن له عقل، فالتكافؤ مفقود في كل مقومات الحرب، ولكن الذي ( يَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ ) لا يطالِب المدافعين عن دعوته بأكثر مِن أن يراهم قد بذلوا ما في استطاعتهم وعليه هو أن يتولي الأمر... فماذا خلق مما لا يعلمون؟

خلق ريحًا نسفت المهاجمين نسفًا، وأنزل جنودًا لا تراها أعين البشر، وهذا الموقف من المواقف البالغة الدقة التي لا يمكن التعبير عنها إلا بالنص القرآني نفسه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا . إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا ) (الأحزاب:9-11) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية