شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقعة "الحرَّة"... ومَن يتحمل الدم؟! (1)

عصام حسنين • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي سنة 62 من الهجرة قدِم وفد من المدينة على يزيد فأكرمهم وأجازهم بجوائز سنية، ثم عادوا من عنده بالجوائز وخلعوه، وأظهروا شتمه والعيب عليه؛ فأرسل إليهم النعمان بن بشير ينهاهم عما صنعوا ويحذرهم غِبَّ ذلك، ويأمرهم بالرجوع والسمع والطاعة ولزوم الجماعة.

ومما قاله لهم: "إن الفتنة وخيمة، ولا طاقة لكم بأهل الشام! فقال له عبد الله بن مطيع -داعية ابن الزبير-: ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح الله من أمرنا؟! فقال له النعمان: أما والله لكأني بك وقد تركت تلك الأمور التى تدعو إليها، وقامت الرجال على الركب تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحا الموت بين الفريقين، وكأني بك قد ضربت جنب بغلتك إليَّ، وخلَّفتَ هؤلاء المساكين -يعني: الأنصار- يقتلون في سككهم ومساجدهم وعلى أبواب دورهم!"، فعصاه الناس فلم يسمعوا منه؛ فانصرف وكان الأمر والله كما قال سواء" (البداية والنهاية 4/ 748) .

وهذا مما علَّمه أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- للأمة في قتال البغاة والخارجين أن يرسل إليهم مَن يعظهم ويذكرهم وجوب الطاعة، ويحذرهم من الخروج المسلح على الأئمة "وإن جاروا".

وفي سنة 63 هـ كانت وقعة "الحرة"، وسببها ما قدمناه أن أهل المدينة خلعوا يزيدَ وولوا عبد الله بن مطيع على مَن حضر مِن قريش، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة، فلما كان أول هذه السنة أظهروا ذلك واجتمعوا عند المنبر، وجعل الرجل يقول: "خلعتُ يزيد كما خلعت عمامتي هذه!"، ثم اجتمعوا على إخراج عامل يزيد من المدينة وإخراج بني أمية من بين أظهرهم؛ فاجتمع بنو أمية في دار مروان بن الحكم وأحاط بهم أهل المدينة، واعتزل الناس علي بن الحسين -رغم ما وقع من قتل أبيه الحسين رضي الله عنه-، وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- ولم يخلعا يزيد، ولا أحد من أهل بيت ابن عمر، وقد قال لهم ابن عمر -رضي الله عنهما-: "لا يخلعن أحد منكم يزيد فتكون الفيصل بيني وبينكم "، وأنكر على أهل المدينة ذلك، وكذا لم يخلع يزيد أحد من بني عبد المطلب، وكذا محمد ابن الحنفية -رحمه الله- لما جاءه دعاة الخروج فقالوا: إن يزيد يشرب الخمر، ويترك الصلاة، ويتعدى حكم الكتاب! فقال محمد: ما رأيت منه ما تذكرون، قد حضرته وأقمتُ عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة، متحريًا للخير، يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة، قالوا: ذلك كان منه تصنعًا لك.

قال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهِر إليَّ الخشوع؟ ثم أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟! فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا، قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه، فقال لهم: أبى الله ذلك على أهل الشهادة فقال: ( إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (الزخرف:86) ، ولستُ من أمركم في شيء.

قالوا: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك، فنحن نوليك أمرنا. قال: ما أستحل القتال على ما تريدونني عليه؛ لا تابعًا ولا متبوعًا.

قالوا: قد قاتلت مع أبيك. قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه.

قالوا: فمر ابنيك أبا القاسم والقاسم بالقتال معنا. قال: لو أمرتهما قاتلتُ. قالوا: فقم معنا مقامًا تحض الناس فيه على القتال.

قال سبحان الله! آمر الناس بما لا أفعله ولا أرضاه! إذن ما نصحت لعباد الله.

قالوا: نكرهك! قال: إذن آمر الناس بتقوى الله ولا يرضون المخلوق بسخط الخالق، وخرج إلى مكة" (البداية والنهاية8/ 233) .

واستغاث بنو أمية المحاصَرون بيزيد؛ فأرسل إليهم مسلم بن عقبة المري "الذي سمّاه السلف مسرف بن عقبة" في عشرة آلاف، فقال له النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين، ولّني عليهم أكفك. فقال يزيد: لا، ليس لهم إلا هذا "الغشمشم" -وهو الذي يركب رأسه لا يثنيه شيء عما يريد-، والله لأقتلنهم بعد إحساني إليهم وعفوي عنهم مرة بعد مرة. فقال النعمان: يا أمير المؤمنين، أنشدك الله في عشيرتك وأنصار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وقال له عبد الله بن جعفر: أرأيت إن رجعوا إلى طاعتك، أتقبل منهم؟ قال: "إن فعلوا فلا سبيل عليهم".

وقال يزيد لمسلم: ادع القوم ثلاثًا، فإن رجعوا إلى الطاعة، فاقبل منهم وكُف عنهم، وإلا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا ظهرت عليهم فأبح المدينة ثلاثًا، ثم اكفف عن الناس، وانظر إلى علي بن الحسين فاكفف عنه وادن مجلسه؛ فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه.

- فلما وصل مسلم المدينة قال له عبد الملك بن مروان: إن كنت تريد النصر فانزل شرقي المدينة في الحرة، فإذا خرجوا إليك كانت الشمس في أقفيتكم وفى وجوههم، فادعهم إلى الطاعة فإن أجابوك وإلا فاستعن بالله وقاتلهم، فإن الله ناصرك عليهم إذ خالفوا الإمام وخرجوا عن الطاعة... ".

فشكره مسلم على ذلك، وامتثل أمره، ودعا أهل المدينة ثلاثة أيام، كل ذلك يأبون إلا المحاربة والمقاتلة، فلما مضت الثلاث قال لهم في اليوم الرابع: يا أهل المدينة مضت الثلاث، وإن أمير المؤمنين قال لي: إنكم أصله وعشيرته، وإنه يكره إراقة دمائكم، وإنه أمرني أن أؤجلكم ثلاثًا، وقد مضت فماذا أنتم صانعون؟ أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب.

فوقع القتال، وانهزم أهل المدينة إليها، وقُتل من السادات والأعيان، وأباح مسلم الذي يقول فيه السلف: مسرف -قبحه الله من شيخ سوء ما أجهلًه- المدينة ثلاثة أيام كما أمره يزيد -لا جزاه الله خيرًا- وقُتل خلق من أشرافها وقرائها، وانتهب أموالاً كثيرة منها، ووقع شر عظيم وفساد عريض على ما ذكره غير واحد.

الصفحة التالية