وقعة "الحرَّة"... ومَن يتحمل الدم؟! (1)
عصام حسنين • المنهج السلفي
واختفى جماعة من الصحابة منهم جابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري الذي ذكر هشام بن حسان أنه لجأ إلى غار فتبعه رجل من أهل الشام، فانتضى سيفه، وقصده الشامي يريد قتله فوضع سيفه في غمده ثم قال له: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ) (المائدة:29) ، فلما رأى ذلك قال: مَن أنت؟ قال: أنا أبو سعيد الخدري، قال: صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم، قال: فمضى وتركني. وقتل في هذه الوقعة حوالي عشرة آلاف من أهل المدينة، غير انتهاب الدور والأموال! وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ماذا قال العلماء عن يزيد في هذه الوقعة؟
يقول ابن كثير -رحمه الله- معلقًا على هذه الحادثة: "وقد أخطأ يزيد خطأً فاحشًا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام، وهذا خطأ كبير فاحش، مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم، وقد تقدم أنه قتل الحسين وأصحابه على يدي عبيد الله بن زياد، وقد وقع في هذه الثلاثة أيام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يُحد ولا يوصف مما لا يعلمه إلا الله -عز وجل-، وقد أراد بإرسال مسلم توطيد سلطانه وملكه ودوام أيامه من غير منازع، فعاقبه الله بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه، فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود:102) ، وقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْملح فِي المَاء ) ، ( انْمَاعَ ): ذاب وجرى. وروى الإمام أحمد بسنده عن السائب بن خلاد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظُلْمًا أَخَافَهُ اللَّهُ وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلاً ).
وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله مَن ذهب إلى الترخيص في لعنة يزيد بن معاوية، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الخلال، وغيره، وانتصر لها ابن الجوزي في مصنف مفرد وجوَّز لعنته، ومنع مِن ذلك آخرون وصنفوا فيه أيضًا؛ لئلا يُجعل لعنه وسيلة إلى أبيه أو أحد من الصحابة, وحملوا ما صدر عنه من سوء التصرفات على أنه تأوَّل وأخطأ, وقالوا: إنه كان مع ذلك إمامًا فاسقًا, والإمام إذا فسق لا يعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء, بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة, ووقوع الهرج وسفك الدماء الحرام ونهب الأموال, وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن, وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا... وأما ما يذكره بعض الناس من أن يزيد لما بلغه خبر أهل المدينة وما جرى عليهم عند "الحِّرة" من مسلم بن عقبة وجيشه فرح بذلك فرحًا شديدًا, فإنه كان يرى أنه الإمام وأنهم قد خرجوا عن طاعته, وأمَّروا عليهم غيره, فله قتالهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ولزوم الجماعة كما أنذرهم بذلك على لسان النعمان ومسلم كما تقدم, وقد جاء في الصحيح: ( مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ ) (رواه مسلم) (البداية والنهاية 4/ 758) .
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "يزيد بن معاوية وُلد في خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ولم يدرك النبي -صلى الله عيه وسلم-؛ ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء، ولا كان مِن المشهورين بالدين والصلاح، وكان من شبان المسلمين، ولا كان كافرًا ولا زنديقًا، وتولى بعد أبيه على كراهية من بعض المسلمين ورضا من بعضهم، وكان فيه شجاعة وكرم، ولم يكن مظهرًا للفواحش كما يحكي عنه خصومه، وجرت في إمارته أمور عظيمة" (مجموع الفتاوى 3/410) .
- وقال أيضًا بعد ذكره لما حدث في خلافته من قتل الحسين -رضي الله عنه- ووقعة "الحرة" وحصار جيشه لمكة: "وهذا مِن العدوان والظلم الذي فُعل بأمره؛ ولهذا كان الذي عليه معتقد أهل السنة وأئمة الأمة: أنه لا يسب ولا يحب.. قال صالح بن أحمد بن حنبل: "قلت لأبي: إن قومًا يقولون: إنهم يحبون يزيد. قال: يا بني، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت: يا أبت، فلماذا لا تلعنه؟ قال: يا بني، ومتى رأيت أباك يلعن أحدًا؟"، وروي عنه: "قيل له: أتكتب الحديث عن يزيد بن معاوية؟ فقال: لا، ولا كرامة، أوَليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟!".
فيزيد عند علماء أئمة المسلمين ملك من الملوك، لا يحبونه محبة الصالحين وأولياء الله، ولا يسبونه، فإنهم لا يحبون لعنة المسلم المعين؛ لما روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنَّ رجلا اسمُه عبدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ حمارا كَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لا تلعنوه فو الله مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ).
ومع هذا فطائفة من أهل السنة يجيزون لعنه؛ لأنهم يعتقدون أنه فعل من الظلم ما يجوز لعن فاعله، وطائفة أخرى ترى محبته؛ لأنه مسلم تولى على عهد الصحابة، وبايعه الصحابة، ويقولون: لم يصح عنه ما نقل عنه، وكانت له محاسن أو كان مجتهدًا فيما فعله.