شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقعة "الحرَّة"... ومَن يتحمل الدم؟! (1)

عصام حسنين • المنهج السلفي

والصواب هو ما عليه الأئمة‏:‏ مِن أنه لا يُخص بمحبة ولا يلعن،‏ ومع هذا فإن كان فاسقًا أو ظالمًا فالله يغفر للفاسق والظالم، لا سيما إذا أتى بحسنات عظيمة،‏ وقد روى البخاري في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ( أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ )‏، وأول جيش غزاها كان أميرهم يزيد بن معاوية، وكان معه أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه‏-‏.

فالواجب الاقتصار في ذلك، والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان المسلمين به، فإن هذا من البدع المخالفة لأهل السنة والجماعة، فإنه بسبب ذلك اعتقد قوم من الجهال أن يزيد بن معاوية من الصحابة، وأنه من أكابر الصالحين وأئمة العدل، وهو خطأ بيِّن" (مجموع الفتاوى 3/ 412) .

- نخلص من هذا إلى أن العلماء حمَّلوا "يزيد" دم وقعة "الحرة"؛ لأنه أمر بهذه الاستباحة، ولم يأمروا الناس بالخروج عليه؛ تجنبًا لمزيد من المفاسد كالذي قرأناه، وإنما سمعوا له وأطاعوا وجاهدوا الأعداء معه، واجتمعوا معه في الجمعة والجماعة، وصبروا حتى يُستراح من فاجر أو مستراح في عافية لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.

وأما ماذا فعل الله بيزيد وبمسلم بعد وقعة الحرة؟!

فيقول ابن كثير -رحمه الله-: "مات مسلم بن عقبة في أول المحرم سنة 64 من الهجرة، أي بعد الحرة بشهر وهو في مسيره لقتال ابن الزبير, ثم أتبعه الله بيزيد بن معاوية الذي مات بعده في ربيع الأول، فما متعهما الله بشيء مما رجوه وأملوه, بل قهرهم القاهر فوق عباده, وسلبهم الملك, ونزعه منهم من ينزع الملك ممن يشاء... " (البداية والنهاية 4/ 759) .

وقام بعده ابنه معاوية بن يزيد الذي كان ولي عهد أبيه ولم تطل مدته، فقيل مكث في الحكم أربعين يومًا وكان مريضًا، ومات صغيرًا وهو ابن عشرين سنة، وقيل غير ذلك, ولم يعهد، فكانت الفتن والاضطرابات من بعده حتى قال القائل:

إنـي أرى فـتـنة تغلي مراجلها والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا

وأبو ليلى هو معاوية بن يزيد, وقد حدث خروج الكثير في أكثر من مرحلة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قلتُ: قال ابن كثير -رحمه الله- ذلك مع أنه اعتذر عنه لشبهة التأويل، لكنه لم يعتذر عنه في الإسراف في القتل واستباحة المدينة، وهذه عبرة لكل جبار! فإذا كان الله قد فعل بيزيد ذلك مع وجود الشبهة؛ فما بالك بمن يقتل دون أن يبالي؟ لا شك أنه ينتظره قريبًا جدًّا مصير الجبابرة ومصرع الظالمين كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) (متفق عليه) ، نسأل الله السلامة والعافية.

قال القرطبي -رحمه الله-: "قوله -تعالى-: ( وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) (الشعراء:130) ، البطش: السطوة والأخذ بالعنف، وقد بطش به يبطش ويبطش بطشًا، وباطشه مباطشة. وقال ابن عباس ومجاهد: البطش: العسف قتلاً بالسيف وضربًا بالسوط. ومعنى ذلك فعلتم ذلك ظلمًا. وقال مجاهد أيضًا: هو ضرب بالسياط، ورواه مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر فيما ذكر ابن العربي. وقيل: هو القتل بالسيف في غير حق، حكاه يحيى بن سلام. وقال الكلبي والحسن: هو القتل على الغضب من غير تثبت. وكله يرجع إلى قول ابن عباس. وقيل: إنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء.

قال ابن العربي: ويؤيد ما قال مالك قول الله -تعالى- عن موسى -عليه السلام-: ( فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ) (القصص:19) ، وذلك أن موسى -عليه السلام- لم يسل عليه سيفًا ولا طعنه برمح، وإنما وكزه وكانت منيته في وكزته. والبطش يكون باليد وأقله: الوكز والدفع، ويليه السوط والعصا، ويليه الحديد، والكل مذموم إلا بحق. والآية نزلت خبرًا عمن تقدم من الأمم، ووعظًا من الله -عز وجل- لنا في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم.

قلتُ: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثير من هذه الأمة، لا سيما بالديار المصرية منذ وليتها البحرية؛ فيبطشون بالناس بالسوط والعصا في غير حق، وقد أخبر -صلى الله عليه وسلم- أن ذلك يكون، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ، مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ).

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاً لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) . و( جَبَّارِينَ ): قتالين. والجبار: القتّال في غير حق. وكذلك قوله -تعالى-: ( إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ ) (القصص:19) ، قاله الهروي. وقيل: الجبار: المتسلط العاتي، ومنه قوله -تعالى-: ( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) (ق:45) ، أي بمسلط" (تفسير القرطبي 13/ 89) .

- وبعد هذا العرض نقول: ليت أهل المدينة لم يخرجوا على يزيد، ويا ليتهم سمعوا لابن عمر -رضي الله عنهما- وغيره، لكن قدَّر الله وما شاء فعل؛ ليعتبر المسلمون في كل زمان ومكان، والله المستعان.

ويبقي بعض الأحكام الشرعية التي تتعلق بالدماء ومَن يتحملها؟ نتكلم عنها في المقال القادم -إن شاء الله تعالى-.

الصفحة السابقة