شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأفكار المنحرفة والأرضية القابلة

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد مثـَّلتْ حادثة قتل الحسين -رضي الله عنه- بكربلاء مظلومًا نقطة تاريخية في انقسام المسلمين؛ إذ كانت الجرح الدامي الذي استغله عبْر القرون أهل البدع والشقاق، الراغبين في تمزيق الأمة وتحريف دينها؛ ليقنعوا البسطاء المحبين لأهل البيت -رضي الله عنهم- بمنهج التشيع بما فيه مِن الغلو والطعن في الصحابة -رضي الله عنهم-؛ وخاصة الشيخين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، رغم براءتهم التامة مِن قتل الحسين وظلم أهل البيت -رضي الله عنهم-، وإنما يتحمل ذلك مَن فعلوه ورضوا به، وإن كان الصحابة قد نهوا الحسين عن الخروج لعلمهم بعواقبه الخطيرة، حتى قال له ابن عمر -رضي الله عنهما- وهو يودعه بعد عدم استجابة الحسين له في عدم الخروج: "أستودعك الله مِن قتيل!".

لكن لم يقبل ابن عمر -رضي الله عنهما- ولا غيره مِن الصحابة والتابعين أن يجعلوا مما حدث في كربلاء سببًا لمزيدٍ مِن الانقسام والفـُرقة وسفك الدماء، بل أمروا بالصبر على ظلم الحكام، والاجتهاد في طاعة الله -عز وجل-؛ ليغير الله ما بالأمة مِن كربٍ ويولي عليها مَن يصلح، ومثّل هذا منهجًا لأهل السُّنة في كل مكان.

نقطة تاريخية:

ومع كل هذا ظلتْ هذه الحادثة السبب الأكبر لتكوين الحاضنة والأرضية القابلة للانحراف والغلو في أهل البيت والحسين -رضي الله عنه- بصفة خاصة؛ لشدة الظلم الذي تعرض له ومعه أهل بيته -رحمهم الله- إلى يومنا هذا، ولعلك تعرف مِن خلال ما ذكرناه: لماذا يعتبر عاشوراء أهم أعياد الرافضة، والمآسي والخرافات والخزعبلات التي يفعلونها فيه ليجددوا الأحزان ويوسعوا الأرضية القابلة، ويجتذبوا مزيدًا مِن عطف المحبين لأهل البيت، وأهل السُّنة كلهم محبون لأهل البيت، لكن مَن منهم على علم بضلال الشيعة بحقائق التاريخ؟! ومَن منهم يغلـِّب العقل والعلم على العاطفة والحماسة؟!

ما أشبه الليلة بالبارحة:

ونحن نعيش اليوم تكرارًا لهذه المسألة في واقعنا المعاصر؛ إذ تَعَرض "العمل الإسلامي" لأزمةٍ كبيرة بسبب أحداث الصدام الذي وقع، ولا تزال آثاره تثير عاطفة الكثيرين، ولا يزال البعض يمثـِّل دور الشيعة في استغلال الظلم الواقع الذي لا ينكره عالم بالواقع، وخاصة ما يجري في السجون بعد التوسع والتساهل في إراقة الدماء، وحبس الناس بالشبهة؛ فأصبحتْ كربلاء جديدة سببًا أساسيًّا، بل هو الأكبر بعد بذرة التكفير والعنف الموجودة في نشأة الأفكار المنحرفة بيْن التكفير، والتوقف والتبيُّن، والقائلين بالعزلة الشعورية، وجاهلية المجتمع والدولة! واعتبارها دولة كافرة بجيشها وشرطتها، بل وكل ما مَن يتصورون موالاتهم ومتابعتهم لها، وبيْن الجماعات الأخرى القائلة بوجوب القتال والجهاد ضدها، بل ضد المجتمع كله، والغل تجاه أفراده حتى وجدنا عجبًا لا يصدر مِن سليم القلب أبدًا مثل الفرح بالحرائق التي حدثتْ، وتمني زيادتها، والشماتة بما أصاب الناس، وكذلك الفرح والسرور بأزمة البلاد الاقتصادية التي تُسبب آلامًا كبيرة للطبقات الفقيرة والمتوسطة؛ متصورين أن هذا يساهِم في سقوط النظام، بل ولا يعبأون بهدم الدولة وانقسام المجتمع لتحقيق غرضهم!

نظرة نحو الحل:

والعلاج لهذا الأمر لا بد أن يكون مزدوجًا؛ فلا بد مِن إغلاق حاضنة التكفير والعنف بتصفية أوضاع المسجونين، وسرعة الفصل في القضايا، ومنع الأحكام الجزافية، وعدم الاكتفاء بالتحريات للحكم على الناس.

وعلى الطرف الآخر لا بد مِن قراءة الواقع بصدق، وتقديم مصلحة البلاد ومصلحة العمل الإسلامي كله، وترك قرار الصدام الصفري الذي لا يجر إلا الخيبة على العمل الإسلامي، ولا بد مِن استعمال عفة اللسان والقلب واليد في التعامل مع المجتمع.

قضية على الجهة الأخرى:

وقضية أخرى تشهد نفس المشكلة، وهي قضية التغريب ونشر الثقافة الغربية؛ خاصة فيما يتعلق بالمرأة، ونشر الحريات والمساواة.

فوجود حاضنات الظلم للمرأة وهضم حقها في الميراث وإجبارها على الزواج ممن لا تريد، وعضلها عن الزواج ممن ترغب، وأنواع الاعتداء القاسي المتجاوز للحدود عليها، مع أن الشرع قد بيَّن بجلاء حقوقها الكاملة في ذلك كله؛ فالقرآن نصَّ على توريثها قال الله -تعالى-: ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ) (النساء:7) ، ونص الشرع على اعتبار أمرها في الزواج، ولم يجز تزويجها بغير إذنها "بكرًا كانت أو ثيبًا"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا ) (رواه مسلم) . وفي رواية: ( وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا ) (رواه مسلم) .

وردَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- زواج بكر زوَّجها أبوها بغير رضاها، وجعل الأمر إليها؛ فكيف بغير الأب؟!

ونصَّ القرآن على منع "العضل" أي: "امتناع الولي مِن تزويج المرأة ممن ترغب مِن كفءٍ لها إذا تقدم"، فقال الله -تعالى-: ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:232) ، وليس ذلك خاصًّا لمن كانت متزوجة رغبت في العودة لزوجها، بل عند عامة أهل العلم ليس مِن حق الولي الامتناع عن تزويج المرأة ولو كانت بكرًا بكفءٍ لها؛ والكفاءة في الدين والحرية على الصحيح مِن أقوال العلماء إذا صرَّحت برغبتها في الزواج منه ولو بدون مهر المثل فالمهر حقها خالصًا لها، وإذا امتنع الولي سقطت ولايته لفسقه بعضله وانتقلت إلى الولي الأبعد أو السلطان أو مَن يقوم مقامه عند غيابه كعالم القرية أو المدينة أو عدل مِن المسلمين.

وحث النبي -صلى الله عليه وسلم- على تزويج المتحابين، وليس العكس كما يفعل كثير الناس اليوم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَمْ يرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية