شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حكم حلق اللحية أو الأخذ منها

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنتعرض في هذه المقالة لقضية مشروعية إعفاء اللحية، ومذاهب العلماء في حلقها أو الأخذ منها.

إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا اتِّفَاقًا:

جاء في الموسوعة الكويتية: (إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا اتِّفَاقًا؛ لِلأْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ، مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِلَفْظِ: جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرْخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا الْمَجُوسَ، وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ -رضي الله عنه-ا عَنْ النبي -صلى الله عليه وسلم-: عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ، فَعَدَّ مِنْهَا "إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ").

وبالتالي فالمقصود هنا بيان أن أصل مشروعية إعفاء اللحية متفق عليه بيْن أهل العلم؛ للأدلة الكثيرة الواردة في هذا الباب؛ ولما تضافرت عليه نصوص الأئمة مِن المذاهب الأربعة وغيرهم على إثبات هذه المشروعية.

وإنما وقع الخلاف في الأمور التالية:

1- درجة هذه المشروعية الوجوب أم الاستحباب؟

2- هل لهذا الطلب بإعفاء اللحية حد ينقلب الأخذ مما زاد عليه إلى حكم آخر سواء كان هذا الحكم الآخر هو الإباحة أو الاستحباب؟

وسبب الخلاف في المسألة الأولى هو: هل وُجدتْ قرينة صارفة للأمر بإعفاء اللحية مِن الوجوب (كما هو الأصل فيه) إلى الاستحباب أم لا؟

وسبب طرح المسألة الثانية أدلة أبرزها:

1- ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن أنه كان يأخذ من لحيته من طولها وعرضها، وهو حديث ضعيف ولا تقوم به حجة، ولكن احتج به البعض على جواز تقصير اللحية كما سيأتي.

2- وأيضًا ما ثبت عن ابن عمر --رضي الله عنه-ما- أنه كان إذا حج أو اعتمر أخذ ما زاد على القبضة.

وبناءً على هذه المسائل فمَن قال مِن أهل العلم بوجوب إعفاء اللحية قال جزمًا بحرمة حلقها (الحلق هو إزالة الشعر)، ومَن قال باستحباب الإعفاء قال بكراهة الحلق.

فمن ثَمَّ كان لهم تفصيلات في حكم تقصير اللحية أو الأخذ منها.

وسنتعرض أولاً لحكم حلقها ثم نستعرض التفصيل في تقصيرها.

أولاً: الأئمة الأربعة يحرمون حلق اللحية وإن ذهب بعض متأخري الشافعية إلى الكراهة:

تقدمت الأدلة الكثيرة المتعاضدة الآمرة بإعفاء اللحية مما يقتضي القول بحرمة حلقها؛ لمنافاة الحلق للإعفاء المأمور به، وبالتالي ذهب الأئمة الأربعة إلى القول بحرمة حلقها، وهو أمر مستقر في كتاب علماء المذاهب الثلاثة الأحناف والمالكية والحنابلة.

وثمة نزاع في مذهب "الشافعي" مِن المفيد تحقيقه؛ رغم أنه قال: "كلٌ يؤخذ مِن قوله ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، ولكن بلا شك أن الأمر الذي يتفق عليه الأئمة ألأربعة يزداد قوة في نفس العلماء وطلبة العلم؛ فضلاً عن العوام.

فنقول: إن الإمام الشافعي قد صرَّح بحرمة حلق اللحية في كتاب "الأم" فقال: "(باب أرش سلخ الجلد): وَلَوْ حَلَقَهُ حَلَّاقٌ فَنَبَتَ شَعْرُهُ كَمَا كَانَ أَوْ أَجْوَدَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَالْحِلَاقُ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ نُسُكًا فِي الرَّأْسِ وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ أَلَمٍ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي اللِّحْيَةِ لَا يَجُوزُ فَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ أَلَمٍ وَلَا ذَهَابُ شَعْرٍ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَخْلَفُ وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الشَّعْرُ نَاقِصًا أَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ كَانَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ".

ولعل تناول الشافعي رحمه الله لمسألة اللحية عَرَضًا في ثنايا مسألة أخرى، وبعبارة موجزة أدى إلى أن يفوت الرافعي والنووي رحمهما الله هذا النص رغم تبحرهما في مذهب الشافعي فخرَّجا للشافعي قولاً بالكراهة، ولكن استدرك عليهما "ابن الرفعة" فيما حكاه عنه ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج حين قال: "قال الشيخان يكره حلق اللحية، واعترض ابن الرفعة في حاشية الكافية بأن الشافعي نص في الأم على التحريم".

ملاحظة:

حاول بعض المعاصرين تأويل كلمة "لا يجوز" الثابتة عن الشافعي بأنها تعني: "لا يباح" فتحتمل الكراهة والتحريم، فتحمل على الكراهة بناءً على قول الرافعي والنووي، وهو تعسف بعيد كما لا يخفى!

كما حاول البعض تأويل قول النووي بأنه يعني الكراهة التحريمية، وهو أمر تأباه نصوصه المفصلة.

ويبقى أن الشافعي قد نصَّ على التحريم، وفات هذا النقل الرافعي والنووي فقالا بالكراهة، وتبعهما المتأخرون.

والذي يعنينا الدليل في المقام الأول ثم اتفاق الأئمة الأربعة على استفادة حكم حرمة الحلق منه في المقام الثاني.

وتبقى مسألة تحقيق المعتمد في مذهب الشافعية مسألة ثانوية لا يعتني بها إلا الباحثون في هذا المذهب مِن حيث تحريره كمذهب، وإن كانت لن تفيد كثيرًا في موازنة أو ترجيح، بل ربما يكون السؤال الجدير بالبحث هو: ماذا لو وقف الرافعي والنووي على هذا النقل عن الشافعي؟ أظن أن الإجابة معلومة ومحسومة.

ثانيًا: حكم تقصير اللحية:

يمكننا إذا تتبعنا النص التالي مِن كتاب "فتح الباري" للحافظ ابن حجر، والذي تضمن نقل تفصيل الإمام الطبري للمسألة أن نستخرج الأقوال في المسألة، ونزيدها أيضًا بنقول عن هؤلاء العلماء لمزيدٍ مِن الإيضاح.

الصفحة التالية