شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حكم حلق اللحية أو الأخذ منها

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

يقول الحافظ ابن حجر: "قُلْتُ: الَّذِي يظْهر أَن ابن عُمَرَ كَانَ لَا يَخُصُّ هَذَا التَّخْصِيصَ بِالنُّسُكِ، بَلْ كَانَ يَحْمِلُ الْأَمْرَ بِالْإِعْفَاءِ عَلَى غَيْرِ الْحَالَةِ الَّتِي تَتَشَوَّهُ فِيهَا الصُّورَةُ بِإِفْرَاطِ طُولِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ أَوْ عَرْضِهِ، فَقَدْ قَالَ الطَّبَرَيُّ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَكَرِهُوا تَنَاوَلَ شَيْءٍ مِنَ اللِّحْيَةِ مِنْ طُولِهَا وَمِنْ عَرْضِهَا، وَقَالَ قَوْمٌ إِذَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ يُؤْخَذُ الزَّائِد ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى بن عُمَرَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَإِلَى عُمَرَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ كُنَّا نُعَفِّي السِّبَالَ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ. وَقَوْلُهُ: نُعَفِّي بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ نَتْرُكَهُ وَافِرًا، وَهَذَا يُؤَيّد مَا نقل عَن ابن عُمَرَ، فَإِنَّ السِّبَالَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ سَبَلَةَ بِفَتْحَتَيْنِ وَهِيَ مَا طَالَ مِنْ شَعْرِ اللِّحْيَةِ فَأَشَارَ جَابِرٌ إِلَى أَنَّهُمْ يُقَصِّرُونَ مِنْهَا فِي النُّسُكِ ثُمَّ حَكَى الطَّبَرَيُّ اخْتِلَافًا فِيمَا يُؤْخَذُ مِنَ اللِّحْيَةِ هَلْ لَهُ حَدٌّ أُمْ لَا فَأَسْنَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَخْذِ الَّذِي يَزِيدُ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ الْكَفِّ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا مَا لَمْ يُفْحِشْ ، وَعَنْ عَطَاءٍ نَحْوُهُ، قَالَ: وَحَمَلَ هَؤُلَاءِ النَّهْيَ عَلَى مَنْعِ مَا كَانَتِ الْأَعَاجِمُ تَفْعَلُهُ مِنْ قَصِّهَا وَتَخْفِيفِهَا ، قَالَ: وَكَرِهَ آخَرُونَ التَّعَرُّضَ لَهَا إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عَمْرَةٍ وَأَسْنَدَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ وَاخْتَارَ قَوْلَ عَطَاءٍ، وَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَوْ تَرَكَ لِحْيَتَهُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهَا حَتَّى أَفْحَشَ طُولُهَا وَعَرْضُهَا لَعَرَّضَ نَفْسَهُ لِمَنْ يَسْخَرُ بِهِ وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا، وَهَذَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ هَارُونَ لَا أَعْلَمُ لَهُ حَدِيثًا مُنْكَرًا إِلَّا هَذَا. اهـ. وَقَدْ ضَعَّفَ عُمَرَ بْنَ هَارُونَ مُطْلَقًا جَمَاعَةٌ، وَقَالَ عِيَاضٌ يُكْرَهُ حَلْقُ اللِّحْيَةِ وَقَصُّهَا وَتَحْذِيفُهَا وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا إِذَا عَظُمَتْ فَحَسَنٌ بَلْ تُكْرَهُ الشُّهْرَةُ فِي تَعْظِيمِهَا كَمَا يُكْرَهُ فِي تَقْصِيرِهَا كَذَا قَالَ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْخَبَرِ فِي الْأَمْرِ بِتَوْفِيرِهَا قَالَ وَالْمُخْتَارُ تَرْكُهَا عَلَى حَالِهَا وَأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لَهَا بِتَقْصِيرٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَكَأَنَّ مُرَادَهُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ النُّسُكِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِيهِ" (انتهى كلام الحافظ ابن حجر) .

وبعد هذا العرض، ومع استحضار ما سبق في مسألة الحلق فيمكننا تلخيص المسألة كالتالي:

الأخذ مِن اللحية ثلاث درجات:

الأولى: الحلق أو التقصير الفاحش، وسيأتي وصف الإمام الطيبي له بأنه تقصير للحية حتى تكون كذَنب الحمام.

الثاني: الأخذ مِن ما دون القبضة، ولكن لا يصل إلى الحالة الأولى.

الثالثة: أخذ ما زاد على القبضة.

ويمكن تلخيص أقوال العلماء في هذه الدرجات كالتالي:

1- تحريم الدرجات الثلاث؛ نسبه الطبري إلى بعض المتقدمين، وهو مذهب ابن باز وابن عثيمين مِن المعاصرين.

2- تحريم الأولى والثانية وإباحة الثالثة، وهو مذهب الأحناف، وبعض الحنابلة، منهم الإمام أحمد نفسه وابن تيمية.

3- تحريم الأولى واستحباب الثالثة، وهو مذهب معظم المالكية.

4- كراهة الثلاث درجات، وهو مذهب النووي مِن الشافعية.

5- كراهة الأولى وإباحة الثانية واستحباب الثالثة وهو مذهب الغزالي مِن الشافعية.

وهذا بيان بعض النقول للقائلين بكل قول مِن الأقوال السابقة:

القول الأول: مَن يرى أن الحلق محرم مطلقًا، وأن التقصير محرم مطلقًا (يحرم الدرجات الثلاث التي سبق بيانها):

ودليلهم أن الأدلة أمرت بالإعفاء، وهي أدلة مطلقة لم يَرد لها مخصص، واعتذروا عن حديث ابن عمر بأنه موقوف، وممن يقول بهذا مِن المعاصرين: الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، ويمكن أن يُحمل عليه قول الطبري فيما حكاه عنه الحافظ في الفتح حيث قال: "ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَكَرِهُوا تَنَاوَلَ شَيْءٍ مِنَ اللِّحْيَةِ مِنْ طُولِهَا وَمِنْ عَرْضِهَا"؛ هذا على اعتبار أن الكراهة في كلام الطبري تحريمية، وأن مَن عرفنا مذاهبهم ممن كان معاصرًا للطبري أو سابقًا عليه كانوا يقولون بتحريم الحلق.

القول الثاني: مَن يرى أن الحلق محرم وأن التقصير محرم فيما دون القبضة وإباحة أخذ ما زاد على القبضة:

وهذا هو المشهور عند الأحناف والحنابلة، وهؤلاء اعتبروا أن فعل ابن عمر له حكم الرفع لاعتبارات وقرائن، وخصوا به حديث الإعفاء أو فسروه به.

جاء في مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني (باب: إحفَاءِ الشَّوَارِب وإعفَاءِ اللِّحَى): ("سُئل أحمَد عن الأَخذ من اللحيَة؟ قال: "كان ابن عُمَر يَأخُذ منها ما زاد على القَبضَة"، وكأنه قد ذَهَب إلَيه. قيل له: فالإعفاء يُروَى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: :كَأنَّ هذا عِندَه إعفاءٌ").

وذهب هؤلاء إلى أنه ما دام أن التخصيص الوارد في حديث ابن عمر هو بالقبضة فلا يتعداه إلى غيرها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية