حكم حلق اللحية أو الأخذ منها
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
وهؤلاء حملوا أحاديث الأمر بإعفاء اللحية على الاستحباب لقرائن رأوها (وتقدم مناقشة أثر خفاء قول الإمام الشافعي بالتحريم على هذا المذهب)، ولم يروا تخصيصها بحديث الأخذ من طول اللحية وعرضها لضعفه، ولا بأثر ابن عمر (ولعلهم حملوه على الحج و العمرة فقط)، ومِن أشهر هؤلاء الإمام النووي حيث قال: (وَالصَّحِيحُ كَرَاهَةُ الْأَخْذِ مِنْهَا مُطْلَقًا، بَلْ يَتْرُكُهَا عَلَى حَالِهَا كَيْفَ كَانَتْ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وأعفوا اللحى، وأما الحديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا فَرَوَاهُ الترمذي بإسناد ضعيف لا يحتج به).
ويمكن أن يُصنف المباركفوري مِن ضمن هؤلاء حيث قال في نهاية بحثه عن أثر ابن عمر في أخذ ما زاد على القبضة: (فَأَسْلَمُ الْأَقْوَالِ هُوَ قَوْلُ مِنْ قَالَ بِظَاهِرِ أَحَادِيثِ الْإِعْفَاءِ، وَكَرِهَ أَنْ يُؤْخَذَ شَيْءٌ مِنْ طُولِ اللِّحْيَةِ وَعَرْضِهَا واللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ).
ومِن الوارد أن يحمل كلام المباركفوري على الكراهة التحريمية فيكون مِن ضمن أصحاب القول الأول.
القول الخامس: مَن يرى أن الحلق مكروه، وأن التقصير جائز ما لم يكن فاحشًا دون أن يحده بحد:
قال الغزالي في الإحياء فيما ينبغي أن يُنظف مِن البدن: (الثامنة ما طال مِن اللحية، وإنما أخرناها لنُلحق بها ما في اللحية مِن السنن والبدع إذ هذا أقرب موضع يليق به ذكرها، وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل: إنْ قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة؛ فلا بأس، فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة وقالا تركها عافية أحب؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: اعفوا اللحى. وَالْأَمْرُ فِي هَذَا قَرِيبٌ إِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب ، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبذ إِلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِالِاحْتِرَازِ عَنْهُ عَلَى هَذِهِ النية).
وقد حكاه عنه النووي وتعقبه كما تقدم مِن بيان مذهب الإمام النووي في أنه يرى كل التقصير مكروه كالحلق.
ومثله قول الطيب في شرح المشكاة: (الحديث الثاني والثالث عن عمرو: قوله: (كان يأخذ مِن لحيته): هذا لا ينافي قوله -صلى الله عليه وسلم-: (أعفوا اللحى)؛ لأن المنهي عنه هو قصها كفعل الأعاجم أو جعلها كذنب الحمام . والمراد بالإعفاء التوفير منه كما في الرواية الأخرى. والأخذ من الأطراف قليلاً، لا يكون مِن القص في شيء).
(ورغم أن الحديث ضعيف؛ إلا أن هذا لا ينفي أن ما ذكره الطيبي في توجيه الحديث يعبِّر عن مذهبه في المسألة).
تنبيه: مسألة ما شذ وتطاير:
أكثر المالكية مِن ذِكْر هذه المسألة عن الإمام مالك، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية مِن الحنابلة كما تقدَّم.
وهي مسالة منفصلة عن مسألة التقصير ومدى جوازه، والحد الذي يجوز عنده؛ بحيث يجوز بناءً على ذلك لمن كانت لحيته دون القبضة ولو كان مذهبه حرمة حلقها أو تقصيرها أكثر مِن ذلك أن يأخذ ما شذ وتطاير.
الترجيح:
بناءً على ما تقدَّم؛ فإن أعدل الأقوال فيما نرى قول مَن قال بحرمة حلقها، وقد قدَّمنا أنه مذهب الأئمة الأربعة وبيَّنا سبب نشأة الخلاف عند الشافعية رغم ثبوت التحريم عن الشافعي.
كما نرى حرمة تقصيرها تقصير فاحشًا، وقد بالغ ابن عابدين فعدَّ هذا اتفاقًا، وقدمنا أن قول ابن عابدين فيه قدر مِن التجوز؛ إلا أنه يدل على استهجان العلماء ليس لحلق اللحية وفقط، بل لتقصيرها إذا كان التقصير فاحشًا.
والقول بجواز التقصير غير الفاحش مستنده الصحيح هو اثر ابن عمر، وبالتالي فيكون هو المخصص لحديث الإعفاء، فالذي نميل إليه اعتبار أن الحد المنقول عن ابن عمر هو الفاصل بيْن الأخذ المنهي عنه والمأذون فيه.
وبالإضافة إلى هذا، فنرجح القول بجواز أخذ ما شذ وتطاير كما ورد عن الإمام مالك، وهذا ما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة كما سبق نقله حيث قال في شرح العمدة: (وَأَمَّا إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ وَلَوْ أَخْذَ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ لَمْ يُكْرَهْ، نَصَّ عَلَيْهِ > أي الإمام أحمد كَما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ مَا تَطَايَرَ مِنْهَا .
وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- (كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، فَأَمَّا حَلْقُهَا فَمِثْلُ حَلْقِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا وَأَشَدُّ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ).
تنبيهات:
1- رواية الخلاف لعذر المخالف لا لمخالفة ما ظهر مِن الأدلة؛ لا سيما إذا علمنا أن هذا هو فهم الأئمة الأربعة لها.
2- يتضح مِن استعراض مذاهب العلماء: الفرق بيْن الحلق والتقصير الفاحش، وبين التقصير مع بقائها وافرة، والخلاف في هذه الدرجة أكثر اعتبارًا مِن الخلاف في التي قبلها، والذي نفى بعض العلم اعتباره منهم ابن حزم في مراتب الإجماع وسكت عليه ابن تيمية (وعبارة ابن تيمية الشديدة في الحلق في شرح العمدة قد تشهد لهذا).
3- القول بكراهة الحلق لا يبيح الدعوة إلى فعل هذه المكروه أو استحسانه أو أن تعكس المسألة فيتعرض القائلون بالكراهة لمذهب أئمتهم القائلين بالتحريم، وكأنه هو غير السائغ، وإنما غايته ألا يعنـَّف المخالف، ولو نظرنا إلى أشهر مَن اكتفى بالكراهة وهو الإمام النووي؛ لوجدنا أن عباراته في بيان معنى أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإعفاء ربما احتج بها القائلون بالوجوب لقوة عباراتها.
4- وفي النهاية: نؤكِّد على أن تدارس هذه المسألة وغيرها مِن المسائل هو مدارسة علمية لينبني عليها العمل، ودون الوقوف عندها كثيرًا، والانشغال بها عن مهمات الدين بشمولها.
والله المستعان.