حكم حلق اللحية أو الأخذ منها
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
وبالغ ابن عابدين في حكم التقصير فيما دون القبضة فقال: "وصرَّح في النهاية بوجوب قطع ما زاد على القبضة بالضم، ومقتضاه الإثم بتركه إلا أن يحمل الوجوب على الثبوت، وأما الأخذ منها وهي دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة، ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد، وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم".
فعند ابن عابدين (الأخذ مما دون القبضة محرم، وأخذ ما زاد عليها فيه خلاف، وقد يصل إلى الوجوب).
ويُلاحظ أن نفي ابن عابدين للخلاف في مسألة ما دون القبضة يحتاج أن يقيد بعلماء مذهبه أو نحو ذلك؛ لثبوت الخلاف عن غيرهم.
وكذلك عند الحنابلة.
قال اللبدي في حاشيته على نيل المآرب: (قوله: "ولا بأس بأخذ ما زاد على القبضة منها" وعبارة الإقناع: "ولا يكره أخذ ما زاد الخ ". أقول: حاصل كلام المصنف كغيره أن حلقها، ومثله قصُّها كلها ونتفها ونحو ذلك، حرام، وأن السُّنّة عدم أخذ شيء منها، وأن أخذ ما زاد على القبضة لا بأس به ، ولا يكره، وأما أخذ ما دون قبضتِهِ بحيث لا يستأصلها فلم أجد أحدًا تعرّض له. إلا أني رأيتُ بعض الحنفية صرّح بالإجماع على عدم إباحته . وكذا مفهوم نص الإمام أحمد)
وقال شيخ الإسلام بن تيمية في شرح العمدة: (وَأَمَّا إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ وَلَوْ أَخْذَ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ لَمْ يُكْرَهْ، نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ مَا تَطَايَرَ مِنْهَا . وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- (كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، فَأَمَّا حَلْقُهَا فَمِثْلُ حَلْقِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا وَأَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ).
ويلاحظ هنا أن ابن تيمية اعتمد القبضة كفاصل بين التحريم والإباحة، وأنه لا بأس بأخذ ما تطاير منها وهي مسألة ثابتة نصًّا عن الإمام مالك، وحكاها هنا ابن تيمية كجزءٍ مِن مذهب الحنابلة، وهي مسألة منفصلة بمعنى أن مَن لم تبلغ لحيته القبضة أصلاً له أن يأخذ ما شذ وتطاير منها.
القول الثالث: تحريم الحلق واستحباب أخذ ما زاد على القبضة:
وهو مذهب معظم المالكية ومعظمهم أقوالهم غير صريحة في التقصير عن القبضة.
- قال محمد عليش في منح الجليل شرح مختصر الخليل: (ويحرم على الرجل حلق اللحية والشارب، ويؤدب فاعله).
- وفصل ابن عبد البر في الاستذكار المسألة فقال: (رَوَى أصبغ عن بن الْقَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مَا تَطَايَرَ مِنَ اللِّحْيَةِ وَشَذَّ. وَقَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ فَإِذَا طَالَتْ جَدًّا فَإِنَّ مِنَ اللِّحَى مَا تَطُولُ قَالَ أَرَى أَنْ يؤخذ منها وتقصير. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْمُصَنَّفِ قَالَ حَدَّثَنِي هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ هَارُونَ عَنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا.
وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنَا بن الأعرابي قال حدثني سفيان عن بن طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ وَكَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْخُذَ من باطن اللحية وروى سفيان عن بن عجلان عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُعْفِي لِحْيَتَهُ إِلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَقَتَادَةَ مِثْلُهُ سَوَاءً، وَرَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ بن عُمَرَ كَانَ إِذَا قَصَّرَ مِنْ لِحْيَتِهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يَقْبِضُ عَلَيْهَا وَيَأْخُذُ مِنْ طَرَفِهَا مَا خَرَجَ مِنَ الْقَبْضَةِ، وَكَانَ قَتَادَةُ يَفْعَلُهُ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ يَرَى لِلْحَاجِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ، وَكَانَ قَتَادَةُ يَأْخُذُ مِنْ عَارِضَيْهِ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَأْخُذُ من لحيته، وكان بن سِيرِينَ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ جَوَانِبِ اللِّحْيَةِ).
ومِن ذلك كلام القاضي عياض في إكمال المعلم بفوائد مسلم حيث قال: (قال القاضي: يقال: عفوتُ الشَّعْرَ وأعفيتُه لغتان، وكُرِه قَصُّها وحلقُها وتحريقُها، وقد جاء الحديث بذم فاعل ذلك، وسُنَّةُ بعض الأعاجم حلقُها وجزُها وتوفير الشوارب وهى كانت سبرةُ الفرس، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، ويكره الشهرةُ في تعظيمها وتحليتها كما تُكره في قصِّها وجزّها، وقد اختلف السلف هل لذلك حَدٌّ؟ فمنهم من لم يُحدِّد إِلَّا أنه لم يتركها لحدِّ الشهرة ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدًا، ومنهم من حدَّد، فما زاد على القبضةِ فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إِلَّا في حجٍّ أو عُمرةٍ).
وقوله: (وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن) قد يفهم منه إباحة الأخذ مطلقًا، ولكنه عاد وذكر خلاف السلف في الحد الذي ينبغي عنده أن يقصر مِن لحيته، وهو إما الشهرة أو الطول الفاحش أو الزيادة على القبضة، ولم يتعرض لمن نقص عن كل ذلك.
القول الرابع: مَن يرى أن الحلق والتقصير مكروهان مطلقًا (يقول بكراهة الدرجات الثلاث):