أصناف مَن يُقاتَلون مِن أهل الإسلام "محاولة للتوصيف"
عصام حسنين • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد بينا فيما سبق -بالأدلة- حرمة دم المسلم، بل ودم غير المسلم المعصوم، وفي هذا المقال نبيِّن أصناف مَن يقاتلون من أهل الإسلام، ومتى يكون قتالهم بحق، ومتى لا يكون بحق؟ لتوصيف الواقع توصيفًا صحيحًا، ومحاولة لحقن الدماء، فإن كانت صوابًا فمن الله وإن كانت غير ذلك فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- منه بريئان.
أما القتل بحق -ولابد مِن حاكم لإقامته أو مَن يقوم مقامه- فقد بيَّنه النبي -صلى الله عليه وسلم -بقوله: ( لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلا بِإِحْدَى ثَلاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ لدينِهِ التَّارِكُ للجماعةِ ) (متفق عليه) .
- وهل الإكراه على القتل مِن القتل بحق؟
قال ابن حجر -رحمه الله-: "الإكراه: هو إلزام الغير بما لا يريده، وشروط الإكراه أربعة:
الأول: أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به والمأمور عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار.
الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.
الثالث: أن يكون ما هدده به فوريًّا، فلو قال إن لم تفعل كذا ضربتك غدًا لا يعد مكرهًا، ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًّا أو جرت العادة بأنه لا يخلف.
الرابع: أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره، كمن أكره على الزنا فأولج وأمكنه أن ينزع ويقول أنزلت، فيتمادى حتى ينزل، وكمن قيل له: طلق ثلاثًا فطلق واحدة، وكذا عكسه.
ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور، ويستثنى من الفعل ما هو محرم على التأبيد: كقتل النفس بغير حق، واختلف في المكره: هل يكلف بترك فعل ما أكره عليه أو لا؟
فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: انعقد الإجماع على أن المكره على القتل مأمور باجتناب القتل والدفع عن نفسه، وأنه يأثم إن قتل من أكره على قتله، وذلك يدل على أنه مكلف حالة الإكراه، وكذا وقع في كلام الغزالي وغيره، ومقتضى كلامهم تخصيص الخلاف بما إذا وافق داعية الإكراه داعية الشرع: كالإكراه على قتل الكافر وإكراهه على الإسلام، أما ما خالف فيه داعية الإكراه داعية الشرع: كالإكراه على القتل؛ فلا خلاف في جواز التكليف فيه، وإنما جرى الخلاف في تكليف الملجَأ وهو من لا يجد مندوحة عن الفعل كمن أُلقي من شاهق وعقله ثابت فسقط على شخص فقتله، فإنه لا مندوحة له عن السقوط، ولا اختيار له في عدمه، وإنما هو آلة محضة، ولا نزاع في أنه غير مكلف إلا ما أشار إليه الآمدي من التفريع على تكليف ما لا يطاق" (فتح الباري 12/ 390) .
وقال في موطن آخر: "لا يسقط القصاص عن القاتل ولو أكره؛ لأنه آثر نفسه على نفس المقتول، ولا يجوز لأحد أن ينجي نفسه من القتل بأن يقتل غيره" (السابق 8/ 394) .
- وبناءً على هذا الإجماع فلا يجوز لأحد أن يقتل نفسًا معصومة ظلمًا، وإن أُكره فليدفع عن نفسه بأي طريقة حتى ولو بالسجن، فإن عجز فليكن عبد الله المقتول، ولا يكن عبد الله القاتل، وكذلك مَن أحضر في قتال فتنة أو لدنيا.
- وأما المكرِه فيُقتل أيضًا، قال ابن قدامة -رحمه الله-: "النوع السابع -أي من أنواع القتل-: أن يتسبب إلي قتله بما يقتل غالبًا وذلك أربعة أضرب:
أحدها: أن يكره رجلاً على قتل آخر، فيقتله، فيجب القصاص على المكرِه والمكرَه جميعًا، وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة، ومحمد: يجب القصاص على المكره دون المباشر؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ؛ ولأن المكرَه آلة للمكره بدليل وجوب القصاص على المكره، ونقل فعله إليه، فلم يجب على المكرَه، كما لو رمى به عليه فقتله. وقال زفر: يجب على المباشِر دون المكره؛ لأن المباشرة تقطع حكم السبب، كالحافر مع الدافع، والآمر مع القاتل.
وقال الشافعي: يجب على المكره، وفي المكرَه قولان. وقال أبو يوسف: لا يجب على واحد منهما؛ لأن المكره لم يباشر القتل، فهو كحافر البئر، والمكرَه مُلجَأ، فأشبه المرمي به على إنسان.
ولنا على وجوبه على المكرِه أنه تسبب إلى قتله بما يُفضي إليه غالبًا، فأشبه ما لو ألسعه حية، أو ألقاه على أسد في زُبْيَة -حفرة الأسد، ولنا على وجوبه على المكرَه أنه قتله عمدًا ظلمًا لاستبقاء نفسه فأشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله.
وقولهم: إن المكره ملجأ، غير صحيح، فإنه متمكن من الامتناع، ولذلك أثِم بقتله وحرم عليه، وإنما قتله عند الإكراه ظنًا منه أن في قتله نجاة نفسه وخلاصه من شر المكرِه، فأشبه القاتل في المخمصة ليأكله" (المغني 11/ 337) .
- وأما القتال بحق فأنواع، منها: "القتال دفاعًا عن النفس، والمال، والعرض":
قال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "ومَن صال على نفسه مَن يريد قتله، أو صال على حرمته: كأمه، وبنته، وأخته، وزوجته مَن يريد هتك أعراضهن، أو صال على ماله مَن يريد أخذه أو إتلافه؛ فله الدفع عن ذلك، سواء كان الصائل آدميًّا أو بهيمة، فيدفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه؛ لأنه لو منع من الدفع لأدى ذلك إلى تلفه وأذاه في نفسه وحرمته وماله؛ ولأنه لو لم يجز ذلك: لتسلط الناس بعضهم على بعض، وإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل؛ فله قتله، ولا ضمان عليه؛ لأنه قتله لدفع شره، وإن قُتل المصول عليه فهو شهيد؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ( مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) " (الملخص الفقهي 2/ 443) .
- ومن القتال بحق: "قتال البُغاة":
قال ابن قدامة -رحمه الله- في أصناف مَن يقاتلون مِن أهل الإسلام: "الصنف الرابع: قوم من أهل الحق يخرجون عن قبضة الإمام ويرومون خلعه لتأويل سائغ، وفيهم منعة يحتاج في كفهم إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة الذين نذكر في هذا الباب حكمهم، وواجب على الناس معونة إمامهم في قتال البغاة؛ ولأنهم لو تركوا معونته لقهره أهل البغي، وظهر الفساد في الأرض... " (المغني 12/ 71) .