أصناف مَن يُقاتَلون مِن أهل الإسلام "محاولة للتوصيف"
عصام حسنين • المنهج السلفي
وقال أيضًا: "الأصل في قتالهم قول الله -سبحانه-: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (الحجرات:9-10) .
ففيها خمس فوائد: أحدها: أنهم لم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، فإنه سماهم مؤمنين. الثانية: أنه أوجب قتالهم. الثالثة: أنه أسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله. الرابعة: أنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم. الخامسة: أن الآية أفادت جواز قتال كل مَن منع حقًّا عليه.
وروى عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ ) (رواه مسلم) ... فكل مَن ثبتت إمامته وجبت طاعته وحرم الخروج عليه وقتاله؛ لقول الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ ) (النساء:59) ... وأجمعتْ الصحابة -رضي الله عنهم- على قتال البغاة، فإن أبا بكر -رضي الله عنه- قاتل مانعي الزكاة، وعلي -رضي الله عنه- قاتل أهل الجمل، وصفين، وأهل النهروان" (السابق 12/ 64) .
- قلتُ: اتفق الصحابة -رضي الله عنهم- على قتال مانعي الزكاة، أما توصيفهم ببغاة فقد وقع فيه الخلاف بعد، وأما المساواة في التوصيف بين أهل الجمل وصفين من جانب وبيْن أهل النهروان؛ فقد وقع فيه خلاف بين العلماء سيأتي الكلام فيه -إن شاء الله-.
- وصف الإمام الذي يُعان:
قال ابن قدامة -رحمه الله-: "ومَن اتفق المسلمون على إمامته وبيعته، ثبتت إمامته ووجبت معونته؛ لما ذكرنا من الحديث والإجماع، وفي معناه مَن ثبتت إمامته بعهد النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بعهد إمام قبله إليه، فإن أبا بكر ثبتت إمامته بإجماع الصحابة على بيعته، وعمر ثبتت إمامته بعهد أبي بكر إليه، وأجمع الصحابة على قبوله".
- وصف مَن تغلب... وهل يُعان؟
- قال ابن قدامة -رحمه الله-: "ولو خرج رجل على الإمام فقهره وغلب الناس بسيفه حتى أقروا له وأذعنوا بطاعته وبايعوه، صار إمامًا يحرم قتاله والخروج عليه؛ فإن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير -رضي الله عنهما- فقتله واستولى على البلاد وأهلها حتى بايعوه طوعًا وكرهًا، فصار إمامًا يحرم الخروج عليه؛ وذلك لما في الخروج عليه مِن شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم، ويدخل الخارج عليه في عموم قوله -عليه السلام-: ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ) (رواه مسلم) ، فمن خرج على مَن ثبتت إمامته بأحد هذه الوجوه باغيًا، وجب قتاله" (المغني12/ 72) .
- وقتالهم لا يكون إلا بشروط:
قال ابن قدامة -رحمه الله-: "ولا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم مَن يسألهم، ويكشف لهم الصواب، إلا أن يخاف كَلَبَهم؛ فلا يمكن ذلك في حقهم، فأما إن أمكن تعريفهم عرَّفهم ذلك وأزال ما يذكرونه من المظالم، وأزال حججهم -(قلتُ: وهذا شرط مهم جدًّا ليُعان، وإلا فلا يجوز عونه على ظلمه، قال الإمام مالك -رحمه الله-: "دعه وما يراد منه، ينتقم الله من الظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما"، وليس معني قول الإمام مالك أنه يجوز لهم الخروج ابتداءً، بل لازمهم الصبر حتى يستريح برٌّ أو يُستراح من فاجر)- فإن لجوا قاتلهم حينئذٍ؛ لأن الله -تعالى- بدأ بالأمر بالإصلاح قبل القتال، فقال -سبحانه-: ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ... ).
وروي أن عليًّا -رضي الله عنه- راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل، ثم أمر أصحابه أن لا يبدءُوهم بالقتال، ثم قال: إن هذا يوم مَن فـَلَجَ فيه فلج يوم القيامة، ثم سمعهم يقولون: الله أكبر، يا ثارات عثمان، فقال: اللهم أكب قتلة عثمان لوجههم، وروى عبد الله بن شداد بن الهاد أن عليًّا لما اعتزلته الحرورية -الخوارج- بعث إليهم عبد الله بن عباس، فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف.
فإن أبوا الرجوع وعظهم وخوفهم القتال؛ وإنما كان كذلك، لأن المقصود كفهم، ودفع شرهم، لا قتلهم، فإذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال؛ لما فيه من الضرر بالفريقين.
فإن سألوا الإنظار نظر في حالهم وبحث عن أمرهم، فإن بان له أن قصدهم الرجوع إلى الطاعة ومعرفة الحق، أمهلهم. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل مَن أحفظ عنه من أهل العلم.
وإن كان قصدهم الاجتماع على قتاله، وانتظار مددٍ يقوون به أو خديعة الإمام، أو ليأخذوه على غرة ويفترق عسكره، لم ينظرهم وعاجلهم؛ لأنه لا يأمن مِن أن يصير هذا طريقًا إلى قهر أهل العدل، ولا يجوز هذا وإن أعطوه عليه مالاً؛ لأنه لا يجوز أن يأخذ المال على إقرارهم على ما لا يجوز إقرارهم عليه، وإن بذل له رهائن على إنظارهم لم يجز أخذها لذلك؛ ولأن الرهائن لا يجوز قتلهم لغدر أهلهم، فلا يفيد شيئًا.
وإن كان في أيديهم أسرى مِن أهل العدل وأعطوا بذلك رهائن منهم، قبلهم الإمام واستظهر للمسلمين؛ فإن أطلقوا أسرى المسلمين الذين عندهم أُطلقت رهائنُهم، وإن قتلوا مَن عندهم لم يجز قتل رهائنهم؛ لأنهم لا يقتلون بقتل غيرهم، فإذا انقضت الحرب خلَّى الرهائن كما تخلى الأسارى منهم.