أصناف مَن يُقاتَلون مِن أهل الإسلام "محاولة للتوصيف"
عصام حسنين • المنهج السلفي
وإن خاف الإمام على الفئة العادلة الضعفَ عنهم أخـَّر قتالهم إلى أن تمكنه القوة عليهم؛ لأنه لا يؤمَن الاصطلام والاستئصال، فيؤخرهم حتى تقوى شوكة أهل العدل، ثم يقاتلهم، وإن سألوه أن ينظرهم أبدًا، ويدعهم وما هم عليه، ويكفوا عن المسلمين، نظرت، فإن لم يعلم قوته عليهم، وخاف قهرهم له إن قاتلهم، تركهم. وإن قوي عليهم، لم يجز إقرارهم على ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يترك بعض المسلمين طاعة الإمام، ولا تؤمن قوة شوكتهم، بحيث يفضي إلى قهر الإمام العادل ومن معه، ثم إن أمكن دفعهم بدون القتل، لم يجز قتلهم؛ لأن المقصود دفعهم لا قتلهم؛ ولأن المقصود إذا حصل بدون القتل، لم يجز القتل من غير حاجة... ".
وقال: "ولا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه: كالنار، والمنجنيق، والتغريق من غير ضرورة؛ لأنه لا يجوز قتل مَن لا يقاتل، وما يعم إتلافه يقع على مَن يقاتل ومَن لا يقاتل، فإن دعت إلى ذلك ضرورة، مثل أن يَحتاط بهم البغاة -أي بمن لا يقاتل مِن نساء وأطفال ورجال-، ولا يمكنهم التخلص إلا برميهم بما يعم إتلافه، جاز ذلك، وهذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا تحصن الخوارج، فاحتاج الإمام إلى رميهم بالمنجنيق، فعل ذلك بهم ما كان لهم عسكر، وما لم ينهزموا، وإن رماهم البغاة بالمنجنيق والنار، جاز رميهم بمثله" (السابق بتصرف 12/ 73-77) .
وقال أيضًا: "إذا لم يمكن دفع أهل البغي إلا بقتلهم، جاز قتلهم، ولا شيء على من قتلهم من إثم ولا ضمان ولا كفارة؛ لأنه فعل ما أمر به، وقَتلَ مَن أحل الله قتله، وأَمرَ بمقاتلته، وكذلك ما أتلفه أهل العدل على أهل البغي حال الحرب من المال لا ضمان فيه؛ لأنهم إذا لم يضمنوا الأنفس فالأموال أولى، وإن قتل العادل كان شهيدًا؛ لأنه قتل في قتال أمر الله -تعالى- به بقول: ( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) (الحجرات:9) .
وإذا ترك أهل البغي القتال إما بالرجوع إلى الطاعة، وإما بإلقاء السلاح، وإما بالهزيمة إلى فئة أو إلى غير فئة، وإما بالعجز؛ لجراح أو مرض أو أسر، فإنه يحرم قتلهم، واتباع مدبرهم، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة إذا هزموا ولا فئة لهم كقولنا، وإن كانت لهم فئة يلجئون إليها، جاز قتل مدبرهم وأسيرهم، والإجازة على جريحهم، وإن لم يكن لهم فئة لم يقتلوا، لكن يضربون ضربًا وجيعًا، ويحبسون حتى يقلعوا عما هم عليه، ويحدثوا توبة، ذكروا هذا في الخوارج.
ويروى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- نحو هذا، واختاره بعض أصحاب الشافعي؛ لأنه متى لم يقتلهم، اجتمعوا ثم عادوا إلى المحاربة، ولنا ما روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال يوم الجمل: لا يُذفف على جريح، ولا يُهتك ستر، ولا يُفتح باب، ومَن أغلق بابًا أو بابه فهو آمن، ولا يتبع مدبر، وقد روي نحو ذلك عن عمار. وعن علي -رضي الله عنه- أنه وَدَى قومًا من بيت مال المسلمين، قتلوا مدبرين" (المغني 12/ 93-94 بتصرف) .
نخلص مِن هذا العرض إلى أن الإمام العدل الذي توافرت فيه شروط الإمامة إن قاتل البغاة بالشروط والتدريج الذي علَّمه الإمام الراشد علي -رضي الله عنه- أنه لا يضمن دمهم ولا مالهم، ولا مَن باشر ذلك أو تسبب أو رضي؛ لأنه قتال بحق.
وكذا المتغلب -وإن لم تتوافر فيه شروط الإمامة-، قال الدسوقي في حاشيته: "اعلم أن الإمامة العظمى تثبت بأحد أمور ثلاثة: إما بإيصاء الخليفة الأول لمتأهل لها، وإما بالتغلب على الناس؛ لأن مَن اشتدت وطأته بالتغلب وجبت طاعته، ولا يُراعى في هذا شروط الإمامة؛ إذ المدار على درء المفاسد وارتكاب أخف الضررين. وإما بيعة أهل الحل والعقد".
ثم ليس الواقع المعاصر ممن تنطبق عليه هذه الأحكام؛ لأن توصيف الرئيس في الدولة الدستورية الحديثة يختلف عن توصيف الإمام الشرعي، وكذا مَن خرج متظاهرًا تظاهرًا سلميًّا يختلف عن توصيف الباغي والخارجي؛ لأن الدستور يكفل له ذلك، وليس حقًّا للرئيس أن يخلط بين العقدين فيطلب من الشعب أن يخرج لقتال المتظاهرين السلميين استدلالاً بحديث: ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ )! ولقد كان هذا الخلط سببًا كبيرًا في هذه الفتن التي تمر بها بلدنا إلى الآن.
وكذلك مَن تغلب بالمفهوم المعاصر بثورة شعبية أو انقلاب عسكري فعطل الدستور مؤقتًا أو نهائيًّا واستقرت له الأمور؛ لا يجوز الخروج المسلح للعلة التي ذكرها أهل العلم، وإنما يعان في الخير ويُذكر بالله -تعالى-؛ لعله يتذكر أو يخشى.
ومَن أراد التغيير لإقامة الدين؛ فعليه بالتغيير السلمي بنشر الدعوة الصحيحة بيْن الناس، وبإعادة الكرة السياسية السلمية المعاصرة.