شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإمام "ابن حزم" يرد على د."محمد عبد المقصود" (1-2)

عصام حسنين • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي مقالنا السابق تكلمنا عن البغاة الذين يخرجون على الإمام العادل بتأويل سائغ، وفصلنا السيرة الشرعية في قتالهم -كما بينها أهل العلم-، وخرجنا إلى القول بأن ما يحدث على أرض "مصر" منذ أكثر من سنة إلى يومنا هذا ليس من ذلك في شيء؛ لأن الحاكم ليس ولي أمر شرعي، ولا مَن خرجوا في مظاهرات يطالبون بحقوق لهم أو رفع مظالم بغاة! فالأول لم تتوافر فيه شروط الإمامة، والمتظاهرون لا تنطبق عليهم شروط البغاة.

وبينا أن هذه الفتن الواقعة إلى يومنا هذا إنما هي بسبب هذا الخلط؛ لذلك حرصت "الدعوة السلفية" منذ تبنيها دعم الدكتور "محمد مرسي" على أن تؤكد: أنها تدعمه على أنه "رئيس جمهورية" وليس "أمير المؤمنين"، وأن انتخابه لرئاسة الجمهورية ليس بيعة على الخلافة والإمامة، وإنما هو عقد يلتزم به الطرفان دون إخلال بمصالح البلاد، بل هي جزء مِن العقد؛ التفريط فيها أو العجز عنها يتضمن إخلالاً بالعقد "وهم أقروا بذلك"، وكان كل ذلك من "الدعوة" حذرًا مِن وقوع هذه المفاسد التي وقعت.

هذا ما بينتُه في المقال السابق، لكن وُجد من الدعاة من تبنى هذا المحذور الذي حذرتْ منه الدعوة، وتبناه رموز الإخوان "خاصة قبيل 30-6"، مع أنهم صرحوا بأنهم يرفضون ذلك، واستنكروا فتوى الدكتور "محمود شعبان" لما أفتى بلازم ذلك مِن قتل الخارجين على الإمام "محمد مرسي"!

وكان ممن ينظرون هذه النظرة الدكتور "محمد عبد المقصود" الذي خرج منذ مدة على قناة "رابعة" يصرح بذلك في كلام متناقض داخَله كثير من السب والشتم للمخالفين له من المشايخ -المصرح بذلك والساكت-، بل وعامة الشعب! وصرَّح بلازم ذلك من مخالفات عظيمة لا تأتي على البلاد والعباد إلا بمزيدٍ من الفتن، وإراقة الدماء والاعتقالات!

ولعل مِن لازم ذلك القول أيضًا... هذا السب والتكفير المقنع لمشايخ "حزب النور" وخاصة الشيخ "ياسر" -حفظه الله- الذي قال عنه: "يبيع دينه بعرض من الدنيا! بلغني أنه بيوضب كتاب المنة عشان يوافق الوضع الجديد، ولا أدري ماذا سيكتب فيه؟ يمكن يكتب "ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم المؤمنون!"، يا منافق، هؤلاء المنافقون! قابضين من المخابرات... !".

لأن بعض العلماء يجيز رمي الإنسان بالمنافق إذا ظهرت منه دلائل ذلك: "كارتداده عند التحزيب على المؤمنين، وخذلانهم عند اجتماع العدو، كالذين قالوا: ( لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ ) (آل عمران:167) ، وكونه إذا غلب المشركون التجأ معهم، وإن غلب المسلمون التجأ إليهم، ومدحه للمشركين بعض الأحيان، وموالاتهم من دون المؤمنين" (الدرر السنية 8/ 165) .

هذه الطامات هي لازم هذا التوصيف الباطل، ومعلوم لكل منصف أن أعضاء "حزب النور" ليسوا بهذا الوصف -نعوذ بالله-، فما ارتددنا عن ديننا، ولا قام قتال شرعي بين مسلمين وكافرين فحملنا السلاح مع الكافرين ضد المسلمين ولا سارعنا في الكافرين؛ إلا أن تقول بتكفير الجيش والشرطة والملايين التي خرجت في "30 /6"، ومع ذلك لم نحمل سلاحًا مع أي طرف ونهينا عن ذلك، بل لم نخرج في المظاهرات، وإنما كل فعلنا هو نصح دائم ومتكرر للدكتور "محمد مرسي" والإخوان؛ حتى لا يكون السكوت.

فلما أبوا وتأزمت الأمور طلبوا منه الموافقة على انتخابات رئاسية مبكرة -الذي يطالب به البعض الآن!-، بل البعض كما صرَّح "سلامة عبد القوي" نفسه محاور الدكتور "عبد المقصود" أن القضية الآن لم تعد شخص الدكتور "محمد مرسي"، وإنما قضية حق وباطل!

والسؤال الذي يقضي على هذا الجدل: إذا كان الأمر كذلك؛ فلمَ كل الأحداث السابقة التي قتل فيها مَن قتل، وسجن فيها مَن سجن؟! ولما رفضوا، قلنا: انتظروا خريطة الجيش فرفضوا، فقلنا: لم يبقَ إلا سيناريو 54 والجزائر، فقالوا: مستعدين! فقلنا: لسنا معكم في ذلك.

أبذلك نكون منافقين؟!

إن لم نهلك مع مَن هلك، وتضيع دعوتنا، بل الدعوة في العالم الإسلامي نكون منافقين! حسبنا الله ونعم الوكيل.

ومن دلائل صحة موقفنا طبقًا لموازين المصالح والمفاسد، والقدرة والعجز، وفقه المآلات فرارك من مصر ومَن معك بحجة حقن دمك! أليست هذه هي الموازين الشرعية يا شيخ أم هو الكيل بمكيالين؟! ولمَ لمْ تستعمل هذه الموازين قبلُ؟!

وعلى كلٍّ هذه اتهامات في الوقت الضائع، فقد بانت الحقائق والمآلات لكل ذي عينين، وصدق العلماء عندما قالوا: "رجحان العمل يعرف من رجحان العاقبة!".

فالحمد لله العواقب حميدة على دعوتنا وإخواننا، وشعبنا وبلدنا، وكل ذلك بالرفق وإلانة القول والفعل، والتواصل الجيد تكثيرًا للخير والصلاح، وتقليلاً للشر والفساد.

وأقول له: اتقِ الله، فإنك ستسأل عن ذلك يوم القيامة، فأعد للسؤال جوابًا... ماذا تقول لربك إذا سألك عن رميك لمسلم بما ليس فيه؟!

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ، حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ ) (رواه أبو داود، وحسنه الحافظ ابن حجر) ، وإياك والبغي فإنه ذنب معجل عقوبته في الدنيا، ومن أسباب الإدالة والتغيير.

الصفحة التالية