شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإمام "ابن حزم" يرد على د."محمد عبد المقصود" (1-2)

عصام حسنين • المنهج السلفي

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "والواجب على كل مسلم قادر أن يسعى في الإصلاح بينهم -أي بين الطائفتين المقتتلتين- ويأمرهم بما أمر الله به مهما أمكن، ومَن كان من الطائفتين يظن أنه مظلوم مبغي عليه فإذا صبر وعفا أعزه الله ونصره; كما ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ ) (رواه مسلم) ، وقال الله -تعالى-: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (الشورى:40) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) (الشورى:42-43) ، فالباغي الظالم ينتقم الله منه في الدنيا والآخرة; فإن البغيَ مَصْرَعُه، قال ابن مسعود: ولو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكًّا، ومِن حكمة الشعر:

قضى الله أن البغي يُصْرَعُ أهلُه وأن على الباغـي تدور الدوائر

ويشهد لهذا قوله -تعالى-: ( إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (يونس:23) ، وفي الحديث: ( مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ -تَعَالَى- لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، فمن كان من إحدى الطائفتين باغيًا ظالمًا فليتق الله وليتب.

ومن كان مظلومًا مبغيًّا عليه وصبر كان له البشرى من الله، قال -تعالى-: ( وبشر الصابرين ) (البقرة:155) ، قال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون إذا ظلموا، وقد قال -تعالى- للمؤمنين في حق عدوهم: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) (آل عمران:120) ، وقال يوسف -عليه السلام- لما فعل به إخوته ما فعلوا، فصبر واتقى حتى نصره الله ودخلوا عليه وهو في عزه: ( قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:90) ، فمن اتقى الله مِن هؤلاء وغيرهم بصدق وعدل، ولم يتعد حدود الله، وصبر على أذى الآخر وظلمه: لم يضره كيد الآخر؛ بل ينصره الله عليه.

وهذه الفتن سببها الذنوب والخطايا، فعلى كل من الطائفتين أن يستغفر الله ويتوب إليه، فإن ذلك يرفع العذاب، وينزل الرحمة، قال الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (الأنفال:33) (مجموع الفتاوى 35/ 82) .

عود على بدء:

نعود إلى وصف الشيخ "عبد المقصود" لرئيس مصر السابق الدكتور "مرسي" بأنه إمام عدل، وأن مَن خرج في "30-6" خارجون عليه بغاة، وبالتالي فيجب الوقوف بجانب الإمام العدل وقتالهم معه!

واستدل بكلام "ابن حزم" -رحمه الله- في "الفِصَل" الذي قال فيه: "باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف مِن أحد منها؛ لقوله -تعالى-: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران:104) .

ثم اختلفوا في كيفيته: فذهب أهل السنة من القدماء من الصحابة -رضي الله عنهم- فمن بعدهم، وهو قول أحمد بن حنبل وغيره، وهو قول سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة وغيرهم إلى أن "الفرض" من ذلك إنما هو بالقلب فقط ولابد، أو باللسان إن قدر على ذلك، ولا يكون باليد ولا بسلِّ السيوف ووضع السلاح أصلاً، وهو قول أبي بكر بن كيسان الأصم، وبه قالت الروافض كلهم، ولو قتلوا كلهم! إلا أنها لم ترَ ذلك إلا ما لم يخرج الناطق، فإذا خرج وجب سل السيوف ولابد حينئذٍ معه، وإلا فلا، واقتدى أهل السنة في هذا بعثمان -رضي الله عنه-، وبمن ذكرنا من الصحابة -رضي الله عنهم-، وبمن رأى القعود منهم.

إلا أن جميع القائلين بهذه المقالة من أهل السنة إنما رأوا ذلك ما لم يكن عدلاً، فإن كان عدلاً وقام عليه فاسق وجب عندهم بلا خلاف سل السيوف مع الإمام العادل، وقد روينا عن ابن عمر أنه قال: لا أدري مَن هي الفئة الباغية؟ ولو علمتُها ما سبقتني أنت ولا غيرك إلى قتالها.

وهذا الذي لا يظن بأولئك الصحابة -رضي الله عنهم- غيره، وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سلّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك.

قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولم ييأسوا من الظفر, ففرض عليهم ذلك.

وإن كانوا في عدد لا يرجون -لقلتهم وضعفهم -بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد.

وهذا قول علي وكل مَن معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة، وقول معاوية، وعمرو... وكل مَن قام على الفاسق الحجاج... وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة، والحسن بن حيي، وشريك، ومالك، والشافعي، وداود، وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه، وإما فاعل لذلك بسلّ سيفه في إنكار ما رأوه منكرًا...

واحتجوا بأحاديث منها: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: ( لا، مَا صَلَّوْا ) (رواه مسلم) ، وفي بعضها: ( إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ ) (متفق عليه) " (الفصل 3/ 100- 101) .

قال د."عبد المقصود": "وهذا الذي نفعله من أول لحظة، مَن خرجوا على الرئيس مرسي هم الخوارج!".

قلتُ: ما ذكره ابن حزم -رحمه الله- عن الإمام العدل -بشروط الإمام العدل كما سنبين- فصحيح مع القدرة على ذلك.

الصفحة السابقة الصفحة التالية